باتت الأجهزة الرقمية تحتل مساحة واسعة في حياة الأطفال، بعدما تجاوز دورها حدود الترفيه لتصبح جزءاً أساسياً من يومياتهم في التعلم واللعب والتواصل، الأمر الذي أثار قلقاً متزايداً بشأن انعكاس هذا الاستخدام المكثف على صحتهم النفسية والجسدية وسلوكهم الاجتماعي، إضافة إلى احتمالية انجرافهم نحو الاعتماد المفرط على الشاشات.
وفي هذا الإطار، تستعرض الكاتبة والباحثة ميكالين دوكليف تجربتها مع ابنتها "روزي"، حيث تحولت متابعة مقاطع الفيديو إلى مصدر توتر يومي داخل المنزل، رغم الالتزام بمدة استخدام محددة لا تتجاوز ساعة أو ساعتين في اليوم.
ومع انتهاء وقت استخدام الأجهزة، كانت الطفلة تدخل في حالة من الانفعال الحاد، تتجسد في البكاء والصراخ ونوبات غضب مفاجئة، وفي إحدى المواقف لجأت إلى الاختباء تحت المكتب في وضعية منكمشة لعدة دقائق، وهو ما شكّل صدمة لوالدتها.
في البداية، اعتقدت الأم أن هذا السلوك يعكس تعلقاً شديداً بالمحتوى الذي تتابعه ابنتها، إلا أن هذا التفسير وضعها في حالة من التردد بين إنهاء هذه المعاناة اليومية والشعور بالذنب تجاه حرمان طفلتها مما تحب.
لاحقاً، ومع الاطلاع على دراسات في علم الأعصاب، تبدلت الصورة بشكل واضح، إذ تبين أن المشكلة لا ترتبط فقط بمتعة المشاهدة، بل بطريقة تصميم هذه التطبيقات التي تُبقي المستخدم في حالة رغبة مستمرة دون تحقيق إشباع حقيقي.
ويشير عالم الأعصاب جوناثان مورو إلى أن منصات مثل يوتيوب وإنستغرام تعتمد على تحليل سلوك المستخدم وتقديم محتوى قريب من اهتماماته دون أن يلبيها بالكامل، ما يدفعه إلى الاستمرار في التصفح لفترات طويلة.
وتعمل هذه الآلية، التي تشبه أنظمة التحفيز في ألعاب الحظ، على إبقاء الطفل في دائرة من الترقب وعدم الرضا، حيث يظن في كل مرة أن المحتوى التالي سيمنحه ما يبحث عنه دون أن يتحقق ذلك فعلياً.
هذا الإدراك ساعد الأم على التخلص من شعور الذنب، ودفعها إلى اتخاذ قرارات أكثر حزماً، من بينها حذف التطبيقات الأكثر جذباً، باعتبار هذه الخطوات وسيلة لإعادة التوازن النفسي لابنتها وليست نوعاً من الحرمان.
وبدلاً من اللجوء إلى المنع المفاجئ، اعتمدت نهجاً تدريجياً أطلقت عليه "بروتوكول السعادة"، يقوم على استبدال وقت الشاشة بأنشطة واقعية ممتعة من خلال خمس خطوات عملية.
وتتمثل هذه الخطوات في توفير بدائل جذابة قبل تقليل الاستخدام، وتحويل الأنشطة الجديدة إلى تجارب عائلية مشتركة، إضافة إلى إشراك جميع أفراد الأسرة في الدعم، مع تقليل الوقت بشكل تدريجي، وتحديد أوقات خالية من الأجهزة.
وبدأ التطبيق الفعلي لهذه الفكرة من خلال نشاط بسيط مثل ركوب الدراجة، قبل أن تنخرط الطفلة في أنشطة أخرى كإعداد الطعام وكتابة اليوميات، ما ساعدها تدريجياً على تقليل اعتمادها على الشاشات، خصوصاً في الفترات المسائية.
وأشارت الأم إلى أن النتائج كانت واضحة، حيث تراجعت نوبات الغضب بشكل ملحوظ، وعاد الهدوء إلى أجواء المنزل، مع تعزيز التفاعل الأسري والشعور بالراحة.
وتعرض دوكليف هذه التجربة في كتابها "أطفال الدوبامين"، الذي يقدم برنامجاً عملياً يمتد لأربعة أسابيع، يهدف إلى مساعدة الأسر على تقليل الاعتماد على الشاشات وخلق بيئة داعمة للتركيز والنوم والتواصل الإنساني.