رغم التقدم المتسارع في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي، لا تزال كلفة تشغيل هذه الأنظمة مرتفعة بما يجعل الاعتماد على العنصر البشري الخيار الأكثر جدوى في العديد من المهن. ويرى مختصون أن قدرة الإنسان على التعامل مع المهام المعقدة والتفاعل المباشر مع الآخرين تمنحه أفضلية يصعب على الآلات مجاراتها في الوقت الراهن، مع توقعات باستمرار التكامل بين الجانبين خلال السنوات المقبلة.
وكشف تقرير تحليلي أعدته شركة "Planera" المتخصصة في برمجيات قطاع البناء عن فروقات كبيرة بين تكلفة تشغيل الروبوتات ورواتب العاملين في عدد من الوظائف، حيث جاءت أبرز النتائج على النحو الآتي:
في قطاع التمريض، تبلغ تكلفة استبدال ممرض مساعد بروبوت نحو 375.100 دولار سنوياً، أي ما يعادل تسعة أضعاف متوسط الراتب السنوي للممرض البشري البالغ 42.200 دولار.
أما في قطاع البناء، فتصل تكلفة الروبوتات القادرة على تنفيذ مهام عمال البناء إلى نحو 300 ألف دولار سنوياً، مقارنة بمتوسط أجر يقل عن 50 ألف دولار للعامل البشري.
وبالنسبة إلى مساعدي الرعاية الصحية المنزلية والعناية الشخصية، تقدر تكلفة أتمتتهم بنحو 282.200 دولار سنوياً، مقابل متوسط راتب يبلغ 35.800 دولار، أي أكثر من ثمانية أضعاف تكلفة الموظف البشري.
في المقابل، تصل تكلفة أتمتة أعمال الصيانة والإصلاح إلى نحو 287 ألف دولار سنوياً، نتيجة الحاجة إلى التعامل مع أعطال معقدة في أنواع مختلفة من المعدات.
كما جاء مساعدو المعلمين ضمن أكثر خمس وظائف ارتفاعاً في تكلفة الأتمتة، إذ تبلغ تكلفة استبدالهم بالروبوتات نحو 194.300 دولار سنوياً، مقارنة بمتوسط راتب يبلغ 36.800 دولار، إضافة إلى أن طبيعة عملهم تتضمن الإشراف على الأطفال وضمان سلامتهم، وهي مسؤوليات لا تزال تمثل تحدياً كبيراً للروبوتات.
واعتمد التقرير على تحليل 30 وظيفة شائعة في الولايات المتحدة، من خلال دمج بيانات الأجور الفيدرالية مع أحدث أسعار الروبوتات وأنظمة الأتمتة، ثم احتساب التكلفة السنوية الكاملة لاستبدال العامل البشري، بما يشمل شراء المعدات وتركيبها وصيانتها، إلى جانب تكاليف الموظفين المسؤولين عن الإشراف على تشغيلها.
وأظهرت نتائج الدراسة أن مهنة التمريض تتصدر قائمة الوظائف الأعلى تكلفة من حيث الأتمتة، نظراً لاعتمادها على الجهد البدني والتواصل المباشر مع المرضى، وهما من أكثر المهام تعقيداً بالنسبة إلى الروبوتات.
وأوضح أنكور ساكسينا، مدير الاستثمار في شركة TDK Ventures، أن تطوير روبوت بشري قادر على تنفيذ مهام عملية يكلف أكثر من 200 ألف دولار، بينما تبيع كثير من الشركات هذه الروبوتات بأقل من 100 ألف دولار لاستقطاب العملاء في المراحل التجريبية، مؤكداً أن هذا النموذج لا يمكن استدامته على نطاق واسع.
في المقابل، قد تشهد السنوات المقبلة تغيراً في هذه المعادلة مع استمرار تطور تقنيات الروبوتات وتراجع تكاليف إنتاجها، إذ تتقدم الأبحاث في مجالات الأيدي الروبوتية، والروبوتات الشبيهة بالبشر، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع جهود الشركات لتبسيط التصاميم وتقليل تكاليف التصنيع.
كما تسهم القدرات التصنيعية الضخمة في الصين في خفض تكاليف الإنتاج، بالتوازي مع توسع صناعة الروبوتات ودخولها مرحلة أكثر نضجاً، وسط توقعات بتجاوز إنتاج الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين حاجز 100 ألف وحدة خلال عام 2026.
وفي ظل هذه التوقعات، استثمرت الشركات والمستثمرون نحو 300 مليار دولار في قطاع الروبوتات البشرية حتى الآن، أملاً في أن تصبح هذه التكنولوجيا مجدية اقتصادياً على نطاق واسع خلال السنوات المقبلة.