10 أغسطس 2026
عبير الهاجري تكتب: عندما سقط نيكسون تحرّك الشرق الأوسط

في ليلة السابع عشر من يونيو عام 1972، ضُبط خمسة رجال داخل مقر الحزب الديمقراطي في مجمع "ووترغيت" بواشنطن، بعدما حاولوا زرع أجهزة تنصت والتقاط صور لوثائق سرية.

بدت القضية للوهلة الأولى مجرد سرقة عادية لا تستحق كل هذا الاهتمام، لكن صحيفة "واشنطن بوست"، عبر الصحفيين الشابين بوب وودوارد وكارل برنشتاين، بدأت تشد الخيط ببطء وصبر حتى وصلت أخيرًا إلى البيت الأبيض نفسه.

وكان المصدر الأهم في كشف الحقيقة شخصية ظلت مجهولة الهوية لأكثر من ثلاثين عامًا، عُرفت باسم "ديب ثروت"، واتضح لاحقًا أنه مارك فيلت، نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي سرّب المعلومات بحذر شديد حتى لا يُكتشف أمره، وبفضل هذه التسريبات المحسوبة، إلى جانب تحقيقات الكونجرس والقضاء، تكشّف أن الرئيس ريتشارد نيكسون وإدارته لم يكتفوا بمعرفة الاختراق، بل حاولوا التستر عليه بكل ما أوتوا من نفوذ.

لم تُكشف الفضيحة بفعل جهة واحدة، بل بتضافر عدة مؤسسات كانت لا تزال تعمل باستقلالية حقيقية عن السلطة التنفيذية، فالصحافة الحرة واصلت نشر تحقيقاتها رغم الضغوط والتهديدات القانونية، والقضاء مثّله القاضي جون سيريكا الذي ضغط بثبات لكشف الحقيقة في المحاكمات الأولى، والكونجرس عقد جلسات استماع علنية بثّها التلفزيون مباشرة فشكّلت نقطة تحوّل حاسمة في الرأي العام الأمريكي، بينما أجبرت المحكمة العليا في النهاية نيكسون على تسليم تسجيلاته الصوتية السرية التي أثبتت تورطه الشخصي في عملية التستر. وهكذا، وبعد أشهر طويلة من المقاومة، اضطر نيكسون إلى الاستقالة في التاسع من أغسطس عام 1974، ليصبح الرئيس الأمريكي الوحيد الذي يترك منصبه بهذه الطريقة حتى يومنا هذا.

من الصعب الحديث عن "مستفيد" واحد بالمعنى المؤامراتي من هذا الكشف، فالفضيحة لم تكن مخططًا من جهة بعينها بقدر ما كانت نتيجة تراكم أخطاء نيكسون وفريقه، ورغبة مؤسسات الدولة الأمريكية في حماية نفسها من رئيس تجاوز صلاحياته. لكن يمكن القول إن المستفيد الحقيقي كان المؤسسة الديمقراطية الأمريكية ذاتها، التي أثبتت قدرتها على تقييد السلطة التنفيذية مهما بلغ نفوذها، كما استفاد الحزب الديمقراطي سياسيًا حين فاز جيمي كارتر بالرئاسة عام 1976 مستفيدًا من حالة السخط العام على الجمهوريين، فيما تحوّلت الصحافة الاستقصائية نفسها إلى قوة رابعة معترف بها فعليًا في الحياة السياسية الأمريكية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في هذه القصة: الفترة التي انشغل فيها نيكسون بالدفاع عن نفسه كانت من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فحرب أكتوبر عام 1973 اندلعت بينما كانت فضيحة ووترغيت تتصاعد في واشنطن، ورغم ذلك تمكنت الإدارة الأمريكية، وتحديدًا وزير الخارجية هنري كيسنجر، من إدارة الأزمة عبر ما عُرف بـ"الدبلوماسية المكوكية"، وهو نهج قاده كيسنجر شخصيًا بالتنقل المكثف بين عواصم المنطقة، وأفضى لاحقًا إلى اتفاقيات فك الاشتباك بين الأطراف المتحاربة خلال عامي 1974 و1975. 

والنقطة الجوهرية هنا أن نيكسون، المنشغل بمعركة بقائه السياسي، ترك مساحة واسعة غير معتادة لكيسنجر لينفرد بصياغة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، وهو ما يراه البعض فرصة أعطت كيسنجر حرية حركة نادرة سرّعت التسويات، بينما يرى آخرون أن ضعف الرئيس أضعف في المقابل موقف أمريكا التفاوضي في لحظات حساسة، خصوصًا خلال أزمة حظر النفط بين عامي 1973 و1974 التي فرضتها الدول المصدّرة للنفط في المنطقة احتجاجًا على مواقف أمريكا من الحرب.

وإذا تساءلنا ماذا كان سيحدث لو لم تُكتشف الفضيحة، فإننا ندخل بالضرورة في منطقة الافتراض التاريخي الذي لا توجد عليه إجابة قاطعة، لكن يمكن رسم بعض الاحتمالات المعقولة استنادًا إلى مسار الأحداث الفعلي. فمن المرجح أن نيكسون كان سيكمل ولايته الثانية، وربما استمر في قيادة السياسة الخارجية بنفسه بدلًا من ترك المساحة الكاملة لكيسنجر، إذ يرى بعض المؤرخين أن نيكسون، رغم كل شيء، كان يملك رؤية استراتيجية واضحة تجاه ملفات السياسة الدولية الكبرى في عصره، بما فيها الشرق الأوسط، وأن استمراره ربما كان يعني اتساقًا أكبر في السياسة الأمريكية خلال تلك السنوات الحرجة. في المقابل، يرى آخرون أن استمرار رئيس ضعيف الشرعية داخليًا كان سيجعل أمريكا أقل قدرة على فرض تسويات فعلية، وأن استقالته في النهاية أفسحت الطريق أمام إدارة فورد وكيسنجر لإنجاز اتفاقيات فك الاشتباك دون أن يثقل كاهلهما عبء الفضيحة المستمرة. وهذه بطبيعة الحال قراءات تحليلية متعارضة لا حقائق مؤكدة، لأن التاريخ لا يُعاد تجربته.

وبشكل غير مباشر، ما زلنا نعيش أثر تلك الفضيحة حتى اليوم، وإن لم يكن ذلك عبر الشرق الأوسط تحديدًا بقدر ما هو عبر النموذج الذي أرسته في العلاقة بين السلطة والصحافة والرأي العام. فقد أصبحت كلمة "غيت" لاحقة تُضاف تلقائيًا إلى أي فضيحة سياسية حول العالم، كما عزّزت الفضيحة ثقافة الشك المؤسسي تجاه الحكومات، وهو إرث لا يزال حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي الأمريكي والعالمي. أما على صعيد الشرق الأوسط تحديدًا، فإن الأطر التي وضعها كيسنجر خلال تلك الفترة، وبالذات مبدأ التفاوض التدريجي خطوة خطوة، ظلت تشكل جزءًا أصيلًا من الذهنية الأمريكية في التعامل مع صراعات المنطقة لعقود لاحقة.

وفي الخلاصة، لم تكن ووترغيت مجرد فضيحة تجسس داخل الحزب الديمقراطي، بل كانت لحظة اختبار حقيقية لقدرة المؤسسات الأمريكية على تقييد السلطة التنفيذية مهما بلغت. وبينما كانت واشنطن غارقة في هذا الزلزال السياسي، كان الشرق الأوسط يعيش تحولاته الكبرى الخاصة، من حرب أكتوبر إلى أزمة النفط إلى بدايات مسار التسوية، والتقاطع بين الأزمتين لم يكن مجرد صدفة تاريخية عابرة، بل يكشف كيف يمكن لأزمة داخلية في عاصمة كبرى أن تعيد تشكيل موازين القوى وأدوار صنّاع القرار في مناطق بعيدة عنها جغرافيًا لكنها قريبة منها استراتيجيًا وسياسيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE