17 سبتمبر 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: سطوة حيازة الغرائب

كثيرًا ما نسمع قصصاً لا توافق مجرى الحياة العاديّة، هذه القصص تقفز بالأحلام فوق جدار المستحيلات أو بالأقلّ الصعوبات، قصّةٌ مثل: فلان عثر على كنز ثمين، شخص ما لديه قدرة خارقة في علاج بعض الامراض عجز الأطبّاء عن علاجها، وهو غير طبيب، أصل ثروة شخص ما صدفة جمعته بعصابة.. إلخ.

لم تجد هذه القصص مكانا بين أصحابها بقدر ذلك المكان الذي احتلّته عند أصحاب رواية النقل، فإذا استثنينا فكرة الفائدة المصلحيّة المباشرة لهؤلاء من نقل قصة، كأتباع هؤلاء العاملين معهم؛ سواء في تنفيذ بعض أعمالهم، تسويقها، او الاعلان عنها.. إلخ، يبقى أولئك الذين لا مصلحة ماليّة او معنويّة ترتبطهم بهؤلاء " أبطال القصّة "، بمعنى: أنّه يجب أن نلتفت إلى المصلحة الماديّة أو المعنويّة التي يسعى هذا الناقل إلى تحقيقها.

إذا عرضنا شريطاً سريعاً؛ نحصي فيه مصالح الناقلين، فيما عُرض لنا من قصص هذا النوع من بث المعلومات حول ظاهرة ما، وجدناها في معظمها تسعى إلى هيمنة معنويّة على الموقف، هذا الموقف الذي يفقد فيه الناقل كلّ سلطة تمنحه مكانةً؛ يُمكنه معها ان ينافس شركائه في اللقاء، ليتحوّل _ مع هذا الصراع في داخله _ للقتال ضدّ الوقوف في صفّ الاعتراف بمكان أقلّ او مساوٍ لشركاء اللقاء، لمصلحة الوقوف فوق أعلى نقطة بين نقاط التساوي هذه.

رحلة الصعود غير المكلفة في حساب هذا الراوي، لا تعني أنّها بلا ثمن، غير أنّ الثمن الذي سيدفعه مصدّقوا الرواية لن يقف عند حدود حسابات أخطائهم، الصورة التي ستولّدها حالة التصديق والتكذيب؛ لن تُثني قصّة الأوهام عن الإنفجار في داخل عقول الناس قبل أحاديثهم، التي تصنع في دواخلهم " وهماً " يتداخل عند غير المحدّقين منهم بفكرة " الأحلام "، والتي يمكنها أن تُسيِّر أحدهم باتجاه مستقبل ما لم يكن يريده.

بالعودة إلى فكرة الربح الذي يجنيه الراوي، والذي لن يتعدّى بالنسبة إليه حيازة سلطة كشف مجهول، هذه السلطة التي لا يمكن معها مقاومة صعودها، ولو بتكذيبها فوراً من الآخرين، على اعتبار قيمة الإحتمالات التي تضع في رواية الناقل" الراوي " قيمة: " سنتحقّق "، هذا إن صادفت من يمكنه مقاومة الخوف من التكذيب.

ما يميّز هذا المجهول في صورة عرضنا هذا هو: أنّه حدث ليس موجوداً غفل عنه المستمعون أو غاب عنهم علمه، إنّه تشكيل من نسيج خيال الراوي أوجده توّاً، في طريقة صنّعَ فيها جهلاً متعمّدا لدى مستمعيه، هذا الجهل هو بطبيعته أساس الخوف. الخوف هنا لم يولد من هجوم وحش او جيش، بل من غياب المعرفة، هذه الحالة التي تفسّر بطريقة العكس كيف يستهين بالقوّة من اقترب منها في حين يعظّمها البعيد.

لكن علينا أن نسأل هنا: هل يعني الكذب قوّة؟
بالتأكيد لا. لكن الأساس في تحديد شكل العلاقة هنا هو الضعف لا القوّة، ضعف الجاهلين " المستمعين " في كشف زيف الإدعاء؛ هذا يعني: أنّه ينبغي علينا ان ندقّق أكثر في مشاهد القوّة التي نعرفها، لأنها كذلك تستند على شكلها المقابل وهو ضعف المُستهدف أو" جهله "، لكنّ الجدير أكثر بالملاحظة: أنّ الضعف وحده يكفي لوجود الهزيمة، إذاً؛ الهزيمة لا تحتاج قوّة ولا قويّا؛ إن كانت في مواجهة ضعيف. هذا يعني: أنّ مفهوم القوّة ليس كما يعرفه الجميع.

بالعودة إلى أصل حديثنا..
حالة التعريض لاختبار صدق الرواية، لن تمرّ بلا استعراض خبرةٍ ما؛ عايشت موضوع الاختبار ذاته، هذه الخبرة قد تكون بامتحان مباشر، أو بالإستئناس برأي الآخرين، في كلتا الحالتين هناك نتيجة مزدوجة ناتجة عن اجراء إختبارٍ مباشرٍ للقصّة في مواضع تشكّلها.

فإن أردنا ضرب مثال: معالج يستخدم عصا؛ يُعالج _ بالضغط فيها على الجسد _ آلاما معيّنة، وفقا لتناقل الروايات، لا تستغرق رحلة العلاج سوى لحظات؛ بعدما قاسى فيها العليل سنواتٍ طوالٍ مرارةَ فشل الطبّ في علاجه. تقول الرواية الشعبيّة: " حملناه حمل ورجع يمشي ع رجليه ". دعك من هلاميّة البناء المنطقي للقصّة وركّز في السرعة، نقصد سرعة تحقيق نتيجة ما، هذا هو الهدف الذي سعى إليه أساسا الرواي؛ سرعة الحصول على مرتبة تقتضي زمنا طويلا من الجهد وقد لا يصلها بعده.

سرعة الحصول على مرتبة هذه؛ لم تكن نتيجة حاجة آنيّة ملحّة، لقد كانت نتاج سعي طويلٍ للحصول عليها، لكن في أماكن ومواضيع وساحات مختلفة، كلّها انتهت بالفشل، على أن نفهم الفشل هنا على أساس من عدم الفائدة من تجربته.

إلّا أنّ الحاجة إلى المرتبة التي ظهرت في ظرفٍ مفاجيء؛ كمطلبٍ لا يمكن معه التجريب، واحتمال الفشل، ولا النظر نحو الأمام مع السعي لتحقيق نتيجة، لقد كان مطلوباً تدارك مفاجئةٍ لم يقبل معها الراوي انتظار " الفرصة التالية ". هنا ينبغي لنا أن نثجري تدقيقاً بين مفاهيم: الجهل، الهدوء، الأناة، العراقة، الضعف، والقوّة، لكنّ هذا التدقيق يجب أن ينتهي إلى تحديد مفهوم جديد يختلف تماماً عن صورة " المخضرم، الجامح، الطموح، الشيخ، الشاب، المتّزن، الرصين، سريع البديهة ..الخ "؛ على أساس مختلف تماماً عن فكرتي السرعة والبطء، بل؛ ينبغي مع هذا إعادة النظر في نطاق هذين المفهومين الآخيرين.

لقد تحتّم مع هذه السرعة المفاجئة لمداهمة الموقف؛ أن يُحمل على آلة سريعةٍ توازي سرعة الحاجة إلى هذه المرتبة، بمعنى أنّ آلة بطيئة _ وهي تشكّل هنا موضوع القصّة _ لا يمكنها الإسراع بهذه الحاجة إلى حدّ بلوغها الفرصة الحالّة، وهي تنتظر السير الطبيعي لأيّة قصّة، لذا؛ كان لزاماً تسريع أحداثها، لكن هذه السرعة لم تكن في الوقت بل في المسافة بين الاسباب والنتيجة.

هذه المسافة بين الاسباب والنتيجة لم تكن لتسير في مجرى تولّد النتائج الطبيعي، بل كان ينبغي لها أن تصنع ذهولاً في صورة مولّدها. هذا الذهول هو أداة الخيال التي يستعملها الراوي في التحليق فوق جمود الواقع.

هذا التركيب السريع بين الأسباب والنتائج، والمعقّد بين الواقع والخيال؛ لا يكفي فقط لخلق " الإثارة " ولا لإحاطة الراوي بهالةِ السطوة على الموقف، بل يزيد؛ حتى يطال سطوة الرواية ذاتها على ضمير المتلقي؛ الذي لا يُطيق حصر مشهد الأحداث المُثير بين معرفته وعقله، ونتيجة المحاكمة؛ التي تنقل بدورها صورة النتيجة مع تعليق بالتصديق او التكذيب او السخرية إلى الآخرين.

بعد سلسلة النقل هذه؛ تبتعد الأحداث عن صانعها؛ بحيث لا يُعرف شخص الراوي الأوّل، وتبتعد الرواية عن خالقها، بمعنى ذات الشخص الذي قيل عن قدرته كذا، لتتحوّل سلسلة السير التي تجمع امتداد تفاصيل الرواية والزيادة والنقص فيها؛ مع ثبوت نسبة مصداقيّتها عند حدًّ ليس بقليل، لا يسمح بإلغاء وجودها، هنا تبرز فكرة القداسة والمرجعيّة، لكن علينا أن ندقّق مرّة أخرى في أنّ المصداقيّة هنا بُنيت فوق قواعد التواتر لا جوهر الحقيقة، ومثلها القداسة والمرجعيّة. تذكّروا هنا النتيجة المزدوجة الناتجة عن إجراء إختبارٍ مباشرٍ للقصّة التي أشرنا إليها قبل قليل.

مثل هذه التركيبة؛ تخلقها قصّة العثور على كنز؛ والتي أراد أحدهم أن يُخفي فيها مصدر ثروته، أو أنّه يريد من ورائها إيقاع الغير في شراك احتياله. وغيرها من القصص التي تعتمد إسقاط مرور الزمن لصالح صناعة الغرائب.

الغرائب لا تقترن بالسرعة، قد يخلقها الجهل، نعم الجهل بحقيقة أمر ما؛ تجعل من حقيقته غريبة، هذا ليس مقترنا بالزمن؛ إنّه مقترن بتركيب العناصر المعرفيّة.

عودوا الآن إلى حديثنا عن الخوف من القوّة أو عدم الاكتراث بها عند الابتعاد والاقتراب منها.

علينا مع هذا أن نعيد النظر في معرفتنا حول: القوّة، السطوة، المقدّس، المرجع، الغريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE