15 أكتوبر 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: الكون ومكان إدراكنا

الكون ثابت متغيّر، حاول الإنسان تشكيله وتحديده لكي يفهمه ويفهم معه ذاته، لكنّه لم يتمكّن من ذلك. الكون مجموع إدراكنا، بحيث يدخل في هذا الإدراك ما لا ندركه حين نفكّر فيه ولا نصل فيه إلى معرفة، لكنّ الكون مختلف عن هذا التشكيل «ما ندرك وما لا ندرك».

هل فكّرت يومًا في أصل تسمية الأشكال: مربع، مثلث، دائرة، مستطيل، ... إلخ؟

هل فكّرت يومًا في حقيقة الشكل ذاته؟

بمعنى: هل يطابق شكلٌ ما «عرفناه» بالدائرة شكلًا آخر «نعرفه» أيضًا بالدائرة؟

لماذا قرّرنا أنّ السماء كذلك؟

أي كيف توصّلنا إلى أنّ ما نراه في الأعلى، بلونه الأزرق، هو «سماء»؟

لماذا قرّرنا أنّها فوقنا وليست تحتنا؟

هذا بالتأكيد ناجمٌ عن فهم آخر لنا، يقوم على أساس تحديد الاتجاهات وفقًا لـ: أعلى، أسفل، يمين، يسار، ... إلخ.

ليست هذه التساؤلات وحدها ما غاب عنّا وغبنا عنه؛ فهذا الحال «المتسائل في صمتنا» ينطبق على كلّ ما نعرف. الإنسان كموجود، مثلًا؛ لهذا يبقى البحث دائمًا عن مخلوقات أخرى، سواء على الأرض أو غيرها من الكواكب، ومقارنتها بالبشر. لا تنسَ أنّ هذه الكواكب أيضًا تخضع لذات فكرتنا.

حتى لا نشتّت فكرتنا، ينبغي حصرها، كعادتنا، ونعرض لها من خلال مثال. لنأخذ السماء صورةً لأحدها: بعد أن ذكرنا ما ذكرناه، يجب علينا الانتباه إلى أنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ؛ علاوةً عليه، هناك أفكار أخرى ارتبطت بالسماء، ليست تلك الدينيّة فقط ـ على أهميّتها ـ بل ما يُعرف بالعلميّة أيضًا.

فوصف معلومة ما بالسماويّة لا يسمح بتركها متاحة للعامّة، بل صارت تتنازعها قوى الأديان من جهة، وقوى العلم من جهة ثانية، ناهيك عن الصراع الداخلي بين هذين القطبين، أثناء سعيهما إلى حيازة «السلطة» أو قدرٍ أكبر منها.

هذا الجدل الذي يعتقد الكثيرون أنّه بلا فائدة عمليّة ناجمٌ عن فهمهم للفائدة ذاتها أيضًا، ولفكرة «العملي» من جهة أخرى. لقد جرى ربط أفكار الناس التي يعتبرونها خياليّة برابط «ديناميكي» يدور في «استحضاره» وجودًا وعدمًا، «بلزوجة المصالح»، بحيث يُقاس ما هو «مفيد وعملي» وفقًا لتثبيت ما هو غير ذلك أو نظري. لكنّ المشكلة باتت في أنّ إيجاد فكرة الاتجاهات والأشكال وغيرها حصر هذه «التفرقة والأساس الذي تُقاس به» بيد فئة ذات مصلحة في أن تطبع مظاهر الدنيا «بطوابعها» المعروفة.

إذا أردنا توسيع فكرة المثال نحو اتجاه آخر، وقرّرنا الاستعانة بفكرة «المعركة الكبرى» أو معركة «نهاية الزمان»، و«المنقذ»، و«خروج شخص ما»، وغيرها من تلك المعروفة في أدبيّات كثير من العقائد، يُمكننا رؤية الحاجة الماسّة، عند محاولة ترسيخ هذه العقائد ـ بغضّ النظر عن المصلحة الباعثة عليها ـ إلى فكرة القوّة التي تتّخذ من ضعف الآخر أساسًا لصعودها. 

فلو فردنا مساحة التعبير قليلًا، وأردنا فلسفة بواعث بدايات هذه الأفكار، لأمكننا استقراء ضرورة الإجابة عن «فارق الحجم» حين أراد أتباع فكرة ما جوابًا يُقيلهم من أزمة خوف الأقوى، الذي سيتولّى عقابهم عند تمرّدهم بفعل اتّباع هذه العقيدة الجديدة، والتي كان جوابها: غلبة القلّة على الكثرة، وتعطّل آلة الحرب المتقدّمة في مواجهة الإيمان بفكرة ما، وخروج منقذ معيّن يحوز صفات محدّدة، ومنح رتب عليا لأشخاص بعينهم أو لأفعال مخصوصة، ... إلخ.

كلّ هذه الأفكار اختارت صناعة «بداية ونهاية»، و«قوّة وضعف»، و«أعلى وأدنى»، و«أكبر وأصغر»، ... إلخ؛ لكنّها كانت، في كلّ مراحلها، ترسّخ من جهة «فهمها الخاص» لهذه الظواهر مرّة، وتتمرّد عليها بذات أدواتها مرّة أخرى. فهل يعني هذا أنّ هذه الظواهر المحدّدة بالمفاهيم، «الأشكال، والأحجام، والأوزان، والقوّة، ... إلخ»، ثابتة لا تتغيّر، أم أنّها ليست كذلك؟

إذا كانت لا تتغيّر، فكيف لبعضها أن يقهر بعضه الآخر؟!

أم ينبغي أن يكون السؤال بصيغة: هل هي بعضٌ من بعضها؟

بمعنى: هل هذه الظواهر «كلّ»، وهو يعني «الكون أو ما شئت أن تسمّيه»، ونحن نتعامل مع بعض أجزائه، أم أنّ هذه الأجزاء «مجموعة سمات» هذا الكلّ، بالمعنى الذي يقتضي اجتماع سمات هذا الكلّ في تلك الحالة التي نتعامل فيها معه؟ وهو ما يعيد فكرتنا حول «الكلّ والجزء» ومقدار فهمنا لهذه الظاهرة أيضًا؛ والأهمّ من ذلك هو نوع هذا «الفهم» الذي يخضع لذات فكرتنا حين فهمنا الدائرة، والمربع، والكواكب، والبشر، والمخلوقات، والجماد، ... إلخ.

سنُثير فهمكم لما حولكم بفكرة يمكن إسقاطها في حديثنا هذا.

لقد حملت التطوّرات الأخيرة في المنطقة، وما استوجبته من حروب وتكتّلات، ما أثبت عدم فاعليّتها في حلّ مشكلة كلّ دولة على حدة، من خلال استناد هذه الدول إلى غيرها؛ الأمر الذي دعا القوى الكبرى إلى ترك ميادين القتال في الشرق الأوسط والاكتفاء بمراقبة الأحداث، على اعتبار أنّ مقاتلي الأرض أقدر من حاملات الطائرات، والمدمّرات، وأحدث المقاتلات، وقدرة الأقمار الصناعيّة، ... إلخ، على تحديد مصير سيطرة ما عليها.

فهل تلتقي فكرة كهذه مع فكرة تعطّل آلة الحرب في آخر الزمان، ولو في جانب منها، أو فكرة الحرب العالميّة الثالثة التي «يتوهّمها» البعض، أم تتعارض معها؟!

بالتأكيد، ليس هذا ولا ذاك دقيقًا، غير أنّها صورة توضّح فكرة «الكلّ والجزء» التي عرضنا لها قبل قليل، على أن نفهمها مع فكرتنا حول اندماج وتمازج الزمن والمكان، وصناعة الإنسان ذاته من رحم كلّ هذه الظواهر، التي يرى فيها كونه، لا كون غيره، وإن تبادلا التأثير، بحكم الاندماج السابق بين فكرتَي الكلّ والجزء وما يتبعهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE