يُعدّ التواضعُ قيمةً إنسانيةً ذاتَ أثرٍ كبيرٍ في تزكية النفس الإنسانية وتهذيب غرائزها وتنظيم سلوكها. ويُقصد به في اللغة خفضُ الجناح، وقبولُ الحق، ووضعُ الإنسان نفسَه في موضعها الصحيح من غير تعالٍ أو تكبُّر على الآخرين.
وبالتالي، فالتواضعُ مظهرٌ من مظاهر الأدب والاحترام بين الناس. وفي هذا المقام قال سيدنا محمد، نبيُّ الرحمة ﷺ: « ما نقصتْ صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله». أي رفعه اللهُ قدرًا ومنزلةً، وجعله ذا مكانةٍ عاليةٍ عند الخالق والمخلوق. ولفهم قيمة التواضع بشكلٍ أدق، نرى ضرورةَ البحث في عكس معناه؛ فكما كان يقول دائما الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله: « لولا عكسُ المعنى لما كان للمعنى معنى». وعكسُ قيمة التواضع هو التكبر.
ولعدمِ الإسهاب في هذا المقام في شأن ذكر تعريفات التكبر، نرى أن أدقَّ تعريفٍ للتكبر ما ورد في حديث سيدنا محمد ﷺ نبيُّ الرحمة حين قال: «الكِبرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس». فبطرُ الحق، أي ردُّه وعدمُ قبوله، يتمثل في تغليب الهوى على الثوابت والحقوق، ومن صور ذلك حرمانُ بعض الناس البناتِ من الميراث؛ لأن هذا الحق لا يوافق أهواءهم ومصالحهم. أما غمطُ الناس، فهو شعورُ الإنسان بتفوُّقه على غيره، مما يدفعه إلى النظر إليهم باحتقارٍ والتقليلِ من شأنهم.
وبناءً على ذلك، يشير الحكماء إلى أن التواضع نوعان: محمود ومذموم. فالتواضع المحمود هو احترام حقوق الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه، والابتعاد عن احتقار الآخرين أو الترفع عليهم. أما التواضع المذموم فهو ذل ينشأ من شعور الإنسان بحقارة نفسه، وطمعه، وابتذاله لذاته في سبيل نيل شهواته وإشباع غرائزه دون اعتبار للقيم. لذلك يلتزم العاقل بالتواضع المحمود.
وتجدر الإشارة إلى أن من أبرز أسباب التكبر الإعجابَ المفرط بالنفس، إذ يُعدّ العُجبُ المحركَ الأساسيَّ للكبر الكامن في داخل الإنسان؛ فيرى نفسه أعظمَ من غيره ويبالغ في تقدير مكانته. وقد قال بعض الحكماء: «عُجبُ المرء بنفسه أحدُ حسّادِ عقله»، في إشارةٍ إلى أن الإفراط في الإعجاب بالنفس يُفسد التفكير السليم ويطمس الرؤية المتزنة.
وفضلا عن ذلك، أيضًا شعورُ الإنسان بنقصٍ داخلي أو بعدم الأمان النفسي، فيحاول إخفاء ذلك عبر المبالغة في تعظيم ذاته والتعالي على الآخرين، ظنًّا منه أن التكبر يمنحه قيمةً أو مكانةً أكبر في أعين الناس.
وأكثر من ذلك، يُعدّ الحقدُ والحسدُ من أبرز الدوافع المؤدية إلى التكبر، إلى جانب الابتعاد عن مخالطة أهل العلم والكفاءة الذين يرسخون القيم الإنسانية ويهذبون السلوك. وفي هذا المعنى قال عبد الله بن المعتز، في كتاب ادب الدنيا والدين، للماوردي، ص 247: « لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيراً ويرفع حقيراً وليس بفاعل»، كما ذكر ابن حبان البستي في كتابه روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ص53: « ما رأيتُ أحدًا تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه»، مبينًا ما يجرّه التكبر من مهانةٍ وسوء عاقبة. وأكد كذلك أن: «ما استُجلِبت البغضاءُ بمثل التكبر، ولا استُجلِبت المحبةُ بمثل التواضع»، في إشارةٍ إلى أن التواضع سبيلٌ إلى كسب القلوب ونيل احترام الناس.
فالإنسانُ حسنُ التربية، المتحلي بالقيم الإنسانية، سواء أكان متعلمًا أم غير متعلم، يترك أثرًا طيبًا فيمن حوله، ويقابل الإساءة بالإحسان، فيكسب محبة الناس وتقديرهم. ومن هنا قال يحيى بن خالد البرمكي: «الشريف إذا تأدب تواضع، والدنيء إذا تأدب تكبر».
وممّا ينبغي الوقوفُ عنده أنَّ الكِبر، لما يترتب عليه من سوء العاقبة وفساد الأثر، قد نهى اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ عن التخلّق به؛ لأنه صفةٌ تُورث التعالي والفساد في النفس والمجتمع. قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: 18]. وكذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾[ الإسراء: 37].
وكيف للإنسان أن يتكبر إذا أدرك حقيقةَ نفسه وأصلَ خلقه؟ فقد قال سيدنا الامام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي الله عنه: «عجبتُ لابنِ آدمَ يتكبر، وأوّلُه نطفةٌ وآخرُه جيفة». ومن هنا يتبيّن أن ما يبقى للإنسان حامل القيم في نهاية المطاف ليس جاهه ولا ماله، وإنما عملُه الصالح وأثرُه الحسن بين الناس.
وقال الشاعر:
ولا تمشِ فوقَ الأرضِ إلا تواضعاً ... فكم تحتها قومٌ همُ منك أرفعُ
فإن كنتَ في عزٍّ وخيرٍ ومنعةٍ ... فكم ماتَ من قومٍ همُ منك أمنعُ
ويتجلى التواضع في مجال القانون بصورةٍ عامة عندما يكفل الدستورُ والتشريعاتُ الداخلية الحقوقَ والحريات، فينعكس أثرُ ذلك إيجابًا على حياة الإنسان من خلال التطبيق العادل للقواعد القانونية داخل مؤسسات الدولة. ومعلوم ان هذه المؤسسات تدار من قِبل موظفين يُفترض أن يتحلَّوا بالقيم الإنسانية الرفيعة، وفي مقدمتها التواضع؛ لأن المواطن عندما يلمس هذا السلوك في تعاملهم معه، فإنه لا يملك إلا أن يبادلهم الاحترام، وأن يقدِّر مؤسسات الدولة ويسهم في حمايتها وصون هيبتها.
وخلاصةُ القول، تبيّن مما تقدَّم أن التواضع يُعدّ ضابطًا مهمًّا في تهذيب غرائز النفس الإنسانية وترويضها؛ فمن خلاله تتجلى مظاهر الأدب والأخلاق الرفيعة وقبول الحق في التعامل مع الناس، فتثمر الألفةَ والمحبةَ وحسنَ العلاقات الاجتماعية، وتسهم في تعزيز استقرار المجتمع وتماسكه. كما يُعدّ التواضع حاجزًا يحدُّ من انتشار الحقد والحسد والبغضاء، وما يترتب عليها من مشكلاتٍ وجرائم تُهدد تماسك الاسرة والمجتمع.
نبذة عن الكاتب
الدكتور عماد يوسف خورشيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد بالجامعة التقنية الشمالية / العراق.