"إلا يانا وياكم وخير لفانا ولفاكم وشر تعدانا وتعداكم زور من الزرزور، اللي عمره ما كذب ولا حلف زور، ذبح بقه وترس سبعه جدور".
لم تكن الراحلة القديرة مريم الغضبان تروي الحكاية كفنانة تؤدي دورًا عابرًا، بل كانت تتحدث وكأن الخليج كله يجلس في صوتها.
كانت تعرف أن الكلمات التي تقال في المجالس القديمة لا تموت، بل تنتقل من جيل إلى جيل، حتى يصبح المستمع يومًا هو الراوي الجديد، ويحمل الحكاية ذاتها ولكن بوجه عصر مختلف، وكأنها رأت ما يحدث اليوم، فاختصرت أحداثه بحروف أصيلة ومنهج جغرافي يعيش في عمق الغرس الخليجي وما نواجهه من تحولات ومتغيرات.
لم تكن العبارة مجرد مثل شعبي، بل وصفًا دقيقًا لروح الخليج؛ تلك الروح التي بنيت على التكاتف، وعلى الإيمان بأن الإنسان لا ينجو وحده، وأن الاوطان التي تتقاسم التعب قادرة أيضًا على اقتسام النهضة.
ولهذا لم يكن الخليج يومًا مجرد سارد للقصة أو معلنًا عن وجوده، بل كان يحققها واقعًا بطريقة متجددة، ففي كل مرحلة كان يثبت قدرته على النهوض، مهما تغيرت الظروف وتبدلت التحديات.
كل جيل عاش التحديات ذاتها بصورة مختلفة، وكل مرحلة اعادت اختبار قدرة هذه الأرض على الوقوف من جديد، فالبحر الذي علم الآباء الصبر، علم الأبناء معنى البحث عن الفرص، والصحراء التي صنعت قوة الاحتمال، صنعت لاحقًا إرادة بناء المدن والمستقبل.
ومن هنا لم تعد الحكاية الشعبية مجرد ذاكرة قديمة، بل تحولت إلى وثيقة وعي كاملة، تشرح كيف استطاع الخليج أن يحافظ على إنسانيته رغم التحولات الكبرى، وكيف بقيت القيم القديمة حاضرة حتى في أكثر مراحل التطور حداثة وتسارعًا.
لقد كان الإعلام الخليجي، وخصوصا في دولة الكويت، جزءًا اساسيًا من هذا البناء المعنوي، فكثير من الأصوات التي خرجت من الشاشة الخليجية لم تكن تقدم الترفيه فقط، بل كانت تحفظ اللهجة، والملامح، والعادات، وطريقة الحديث، وحتى شكل العلاقات الإنسانية التي صنعت وجدان المنطقة لعقود طويلة.
ولهذا بقيت مريم الغضبان أكثر من ممثلة؛ بقيت ذاكرة شعبية كاملة، وصوتًا يعيد تذكير الناس بأن الحكاية الخليجية لم تبدأ من النفط، بل من الإنسان، ومن قدرته على تحويل القليل إلى معنى، والتعب إلى قوة، والذاكرة إلى هوية.
واليوم، حين نعيد أيام العيد، فإننا لا نستعيد مناسبة اجتماعية فقط، بل نستعيد شكل الحياة الذي وحد هذه المنطقة قبل أن توحدها المصالح الحديثة، نستعيد الأبواب المفتوحة، والأصوات المتقاربة، والوجوه التي كانت ترى في الخليج بيتًا واحدًا مهما تباعدت المدن والسواحل.
وفي هذا كله يبقى مجلس التعاون لدول الخليج العربية امتدادًا طبيعيًا لتلك الحكاية القديمة؛ فكرة تحولت إلى نهج، ونهج تحول إلى واقع استطاع أن يعبر كثيرًا من التحديات دون أن يفقد جذوره اأو هويته.
رحم الله مريم الغضبان، ورحم زمن الرواية الأولى، وأدام على الخليج أمنه ووحدته وقياداته وشعوبه.
فما زالت الحكاية مستمرة: جيل يستمع، وجيل يروي، وجيل سيأتي ليكتشف أن هذه الأرض لم تكن مجرد مكان، بل ذاكرة أمة كاملة استطاعت أن تجعل من إرثها طريقًا دائمًا نحو المستقبل.
هذا الأسبوع أردت أن أستذكر ما لم يغب، فهو تعليم لا يمحى، ودروس تسكن صميم الروح الخليجية، ووقار الكرامة في الكلمة الطيبة.