عندما يتشبث بعض القادة بمناصبهم، فإن التفسير لا يكون دائمًا مرتبطًا بحب السلطة أو الرغبة في السيطرة، بل قد تكون وراء هذا السلوك منظومة نفسية معقدة تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل والخبرة والنجاحات والإخفاقات. ولهذا فإن علم النفس الإداري لا ينظر إلى هذه الظاهرة بوصفها مجرد خلل أخلاقي، بل يراها نتيجة تفاعل بين الشخصية، والثقافة التنظيمية، والخبرات المهنية، والبيئة المحيطة.
فالمنصب لا يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار فحسب، بل يمنحه أيضًا شعورًا بالأهمية، والانتماء، والتقدير الاجتماعي، والتأثير في الآخرين. ومع مرور السنوات قد تتحول هذه المشاعر إلى جزء من هوية الإنسان، فيصبح من الصعب عليه أن يفصل بين شخصيته وبين موقعه الوظيفي.
وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يبدأ القائد في الاعتقاد – ولو دون وعي – أن فقدان المنصب يعني فقدان جزء من ذاته، فيقاوم أي تغيير قد يقوده إلى مغادرته.
الهوية المهنية... عندما يختلط الإنسان بمنصبه
يشير علم النفس إلى أن الإنسان يبني هويته من خلال أدوار متعددة؛ فهو أب أو أم، وصديق، ومواطن، ومتعلم، وصاحب رسالة، وموظف أو قائد. وكلما كانت هذه الأدوار متوازنة، كانت شخصية الإنسان أكثر استقرارًا.
لكن بعض القادة يختزلون أنفسهم في دور واحد فقط، وهو المنصب القيادي. وعندها يصبح الكرسي هو مصدر القيمة الذاتية، ويصبح اللقب الوظيفي هو بطاقة التعريف الحقيقية أمام المجتمع.
وعندما يقترب موعد مغادرة المنصب، يشعر هذا النوع من القادة بأنه يفقد مكانته، وليس مجرد وظيفته، ولذلك يقاوم التغيير بكل الوسائل الممكنة.
وهم الاستغناء
من أكثر الأخطاء النفسية شيوعًا ما يسمى "وهم عدم الاستغناء"، وهو اعتقاد بعض القادة أن المؤسسة لن تستطيع الاستمرار من دونهم، وقد ينشأ هذا الوهم بسبب سنوات طويلة من النجاح، أو بسبب اعتماد الموظفين الكامل عليهم، أو نتيجة غياب القيادات البديلة.
لكن التاريخ الإداري يثبت أن المؤسسات التي تعتمد على شخص واحد هي مؤسسات معرضة للضعف، مهما كانت كفاءة ذلك الشخص. أما المؤسسة التي تبني الأنظمة وتنمي الكفاءات، فإنها تستمر وتتطور مهما تغيرت القيادات.
الخوف من المجهول
الإنسان بطبيعته يميل إلى ما اعتاده، ويشعر بالقلق تجاه المجهول، ولهذا قد يخشى بعض القادة مرحلة ما بعد المنصب؛ لأنهم لا يعرفون كيف ستكون حياتهم بعد انتهاء المسؤولية اليومية، والاجتماعات، والقرارات، والاتصالات، والاحترام الرسمي الذي اعتادوه.
ومن هنا يصبح المنصب بالنسبة إليهم منطقة آمنة، بينما يبدو المستقبل مساحة غامضة تثير القلق.
الانحياز لتبرير البقاء
من الظواهر التي تناولها علماء النفس أيضًا ميل الإنسان إلى تبرير أي قرار قد يرتبط بقائه ، حتى لو كانت غير صحيحة وتبرير رفض أي قرار قد يرتبط باستبعاده من منصبه.
ولهذا قد يقنع بعض القادة أنفسهم بأن استمرارهم ضرورة وطنية أو مؤسسية، وأن أحدًا غيرهم لن يستطيع إدارة العمل، بينما تكون الحقيقة أن المؤسسة تزخر بالكفاءات، لكنها لم تُمنح الفرصة لإثبات نفسها.
القائد الواثق لا يخشى الخلفاء
الثقة بالنفس تظهر عندما يرى القائد في نجاح الآخرين نجاحًا له، لا تهديدًا لمكانته.
فالقائد الواثق يفرح عندما يرى أحد أعضاء فريقه يتفوق عليه في مجال معين، لأنه يدرك أن نجاح المؤسسة لا يقوم على فرد واحد.
أما القائد غير الواثق، فإنه قد يخفي المعلومات، أو يحتكر الصلاحيات، أو يقلل من إنجازات الآخرين، أو يؤخر ترقيتهم؛ لأنه يرى في كل موهبة جديدة منافسًا محتملا.
الصحة النفسية للقائد بعد المنصب
تشير الخبرات الإدارية إلى أن القادة الذين كانت لديهم حياة متوازنة خارج العمل هم الأكثر قدرة على مغادرة مناصبهم براحة ورضا.
فالذي يقرأ، ويتعلم، ويكتب، ويتطوع، ويهتم بأسرته، ويطور هواياته، يدرك أن الحياة أوسع من أي منصب، وأن العطاء لا يتوقف بانتهاء المسؤولية الرسمية.
أما الذي جعل العمل محور حياته الوحيد، فقد يجد نفسه بعد مغادرة المنصب أمام فراغ نفسي كبير، لأنه لم يبنِ لنفسه هوية تتجاوز حدود المكتب والكرسي.
كيف نبني قادة لا يتعلقون بالمناصب؟
تبدأ الإجابة منذ اللحظة الأولى لتولي المسؤولية، فالقائد ينبغي أن يدرك أن مهمته الأساسية ليست إدارة الحاضر فقط، بل إعداد المستقبل.
ويتحقق ذلك من خلال بناء الصف الثاني، وتفويض الصلاحيات، وتبادل الخبرات، وتشجيع التعلم المستمر، وإعداد خطط التعاقب الوظيفي، وقياس نجاح القائد بعدد القادة الذين صنعهم، لا بعدد السنوات التي قضاها في المنصب.
كما ينبغي أن تغرس المؤسسات ثقافة مفادها أن الانتقال من موقع إلى آخر ليس خسارة، بل تطور طبيعي في دورة الحياة المهنية، وأن مغادرة المنصب في الوقت المناسب قد تكون أعظم إنجازات القائد.
وأضيف لذلك أيضاً (وهو قناعة شخصية ) تقع على المؤسسة والإدارة العليا مسؤولية متابعة القائد وتقديم المساعدة له والدعم في كل المراحل واعداده تدريجيا لترك المنصب الحالي لمنصب آخر أو للتقاعد عندما يحين ذلك .
إن الكرسي لا يختبر قوة الإنسان حين يجلس عليه، بل يختبر حكمته حين يحين وقت مغادرته.
إذًا.. القائد الذي يربط قيمته بمنصبه يعيش أسيرًا له، أما القائد الذي يربط قيمته برسالته، فإنه يبقى قائدًا أينما كان، سواء جلس على كرسي القيادة، أم جلس بين تلاميذه، أم كتب كتابًا، أم قدّم خبرته للأجيال الجديدة.
فالقيادة الحقيقية ليست مكانًا نجلس فيه، بل أثرًا نتركه في الناس، ورسالة تستمر بعد أن نغادر المكان.
المراجع وبتصرف..
القيادة الحقيقية مقابل التمسك بالسلطة
Jim Collins
الثقافة التنظيمية وتأثير القائد في المؤسسة
Edgar H. Schein
إعداد الصف الثاني والتعاقب القيادي
دراسة Leadership Succession Planning: An Evidence-Based Approach for Managing the Future، Richard W. .Redman، 2006.
PubMed
التخطيط للتعاقب القيادي وأثره في المؤسسات
دراسة Managers Moving On Up (or Out): Linking Self–Other Agreement on Leadership Behaviors to Succession Planning and Voluntary Turnover، Carter وآخرون، 2019.
ساينس دايركت
بناء القيادات المستقبلية (Leadership Pipeline)
مقال Developing Your Leadership Pipeline، Jay A. Conger & Robert M. Fulmer، Harvard Business Review، 2003. �
PubMed
الهوية المهنية والتعلق بالدور الوظيفي
Daniel Goleman
الانحيازات النفسية وتبرير التمسك بالمنصب
Daniel Kahneman
ثقافة المؤسسة واستدامة القيادة
Peter M. Senge
نظريات الهوية المهنية (Professional Identity) علم النفس التنظيمي
مفهوم الملكية النفسية (Psychological Ownership)
أدبيات التعاقب القيادي (Leadership Succession) إعداد الخلفاء جزء من مسؤولية القائد، وأن التعلق بالمنصب قد يعيق انتقال القيادة بصورة صحية.