لم تعد أزمة المناخ تهدد المراعي الفرنسية فحسب، بل بدأت تضغط مباشرة على واحدة من أشهر الصناعات الغذائية في البلاد؛ إذ تواجه الأجبان الفرنسية الفاخرة، ولا سيما الأصناف الحاصلة على تصنيف «AOP»، تحديات متزايدة بسبب موجات الحر والجفاف وتراجع إنتاج الحليب، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل هذه المنتجات التي ترتبط بتقاليد ومناطق إنتاج محددة.
وبحسب خبراء، أصبحت الظروف المناخية القاسية تضغط على منظومة إنتاج الأجبان الفرنسية، بعدما أدت فترات الجفاف إلى تراجع نمو الأعشاب في المراعي، ودفع المزارعين إلى شراء كميات إضافية من الأعلاف لتعويض النقص والحفاظ على تغذية المواشي.
ووفق شبكة «CNN»، تحولت مساحات واسعة من المراعي إلى حقول جافة يغلب عليها اللون الأصفر، في مؤشر على شدة تأثير الجفاف، بينما باتت تكلفة توفير الأعلاف تمثل عبئاً إضافياً على المزارعين الذين يعتمدون على المراعي الطبيعية في إنتاج الحليب المخصص لصناعة الجبن.
ويشير أحد العاملين في تربية الأبقار وصناعة الأجبان إلى أن نقص الأعشاب كان في السابق ظاهرة تتكرر مرة كل 15 إلى 20 عاماً، إلا أن وتيرتها تغيرت بصورة لافتة، إذ أصبحت تتكرر تقريباً كل عامين، فضلاً عن تزايد حدتها مع استمرار الظروف المناخية القاسية.
وفي الوقت نفسه، تسبب الإجهاد الحراري في تراجع إنتاج الحليب لدى الأبقار بنحو 10%، بينما حرم الجفاف الحيوانات من نحو شهر كامل من الرعي في الهواء الطلق، وهو ما انعكس على إنتاج جبن «سالير»، الذي تراجع من نحو 1500 طن سنوياً في أوائل العقد الأول من القرن الحالي إلى قرابة 1000 طن حالياً.
ويُصنف «سالير» ضمن 47 نوعاً من الأجبان الفرنسية الحاصلة على علامة «AOP»، وهي شهادة تضمن أن إنتاج الجبن وعمليات تعتيقه تتم داخل منطقة جغرافية محددة وفق معايير وقواعد دقيقة ترتبط بخصائص المنتج وطريقة تصنيعه.
وتفرض لوائح إنتاج «سالير» شروطاً صارمة، إذ تمتد فترة الإنتاج من 15 أبريل/نيسان إلى 15 نوفمبر/تشرين الثاني، مع اعتماد الأبقار بصورة أساسية على الأعشاب في تغذيتها، غير أن تداعيات الجفاف دفعت المزارع لورس إلى وقف إنتاج «سالير» في 8 يوليو، والانتقال إلى تصنيع جبن «كانتال»، الذي يخضع لقواعد أقل تشدداً ويمكن إنتاجه على مدار العام.
وفي مواجهة هذه الظروف، أعلنت الهيئة الوطنية للأصل والجودة «INAO» إدخال تعديلات مؤقتة لمساعدة بعض منتجي الأجبان المتضررين من «الجفاف التاريخي» الذي شهدته البلاد هذا الصيف، بما يتيح زيادة كميات الأعلاف المستخدمة أو الحصول عليها من خارج المناطق الجغرافية المحددة وفق القواعد المعتادة.
ومنذ سنوات، يطالب عدد من المنتجين بتخفيف دائم لبعض القيود المفروضة على صناعة الأجبان المصنفة ضمن «AOP»، بما يسمح للقطاع بالتكيف مع آثار تغير المناخ، إلا أن تعديل اللوائح المنظمة لهذه المنتجات قد يستغرق سنوات، ما يجعل التكيف مع الظروف الحالية تحدياً متزايداً أمام المنتجين.
وتكشف دراسة أجراها المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية والغذائية والبيئية «INRAE» عن جانب آخر من الأزمة، إذ قد يؤدي تقليص الاعتماد على العشب في تغذية الأبقار إلى التأثير في جودة الجبن نفسه، بعدما أظهرت تجارب أن الأجبان المصنوعة من حليب أبقار تعتمد أساساً على العشب كانت أكثر غنى بأحماض «أوميغا 3»، إلى جانب تفوقها في خصائص المذاق والرائحة والقوام.
وفي نهاية المطاف، لا يقتصر القلق داخل القطاع على انخفاض الإنتاج أو ارتفاع تكاليف الأعلاف، بل يمتد إلى احتمال تأثر جودة الأجبان الفرنسية وسبل عيش المزارعين، فضلاً عن تهديد تقاليد راسخة في صناعة الجبن تمثل جزءاً مهماً من التراث الغذائي والثقافي الفرنسي.