في كل اقتصاد كبير، هناك لحظة صامتة لا يعلن عنها أحد، تتغير فيها وظيفة الشركة إلى منارة للاستقرار، تبدأ الشركة مشروعًا يبحث عن موقع، ثم تكبر وتتوسع وتوظف وتستثمر وتفتح الأسواق، وفي مرحلة ما تصبح نتائجها مرتبطة بصورة الاقتصاد الذي نشأت فيه كمحور مهم... عندها يتوقف السؤال المعتاد عن حجم الربح ويحل محله سؤال أعمق، وهو ماذا أضاف وجود هذه الشركة إلى قدرة الدولة على الاستمرار؟
لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى الوراء قليلا، إلى حيث بدأت العلاقة بين الشركة الكبرى والدولة تأخذ شكلها الأول.
في القرن السابع عشر، ظهرت في أوروبا شركات تجارية لم تكن كأي شركة أخرى، كانت إحداها تمتلك حق التفاوض باسم بلادها، وتجهز جيوشًا خاصة بها، وتدير أراضي شاسعة، وتصدر عملتها، وتوقع معاهدات مع ممالك بعيدة، لم تكن هذه الشركة تخدم الدولة فقط، بل كانت تتصرف أحيانًا بوصفها امتدادًا لها في مواقع لم تكن الدولة قادرة على الوصول إليها بمفردها أو الاعتماد على علاقات تاريخية فقط، بل كانت تلك تجربة استثنائية، لكنها كشفت حقيقة ظلت صحيحة إلى اليوم، حين تكبر وتكتمل مهمة الشركة إلى درجة معينة، تصبح جزءًا من أدوات الدولة، سواء أرادت ذلك أم لم ترده.
مع مرور القرون، تغير هذا النموذج جذريًا، لم تعد الدولة الحديثة تكتفي بشركة بأن تحل محل بناء النهضة، بل عكست المعادلة، لقد أصبحت هي من تقرر أن تبني المؤسسات، والمؤسسات هي التي تُنشئ شركات قادرة على تحويل الموارد إلى اقتصاد متنوع، ويمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح في تجارب دول مختلفة حول العالم، ففي شرق آسيا، بنت كوريا الجنوبية بعد الحرب مجموعات صناعية كبرى انطلقت من دعم الدولة المباشر، ثم تحولت خلال عقود قليلة إلى قوى عالمية في صناعة السفن والسيارات والإلكترونيات، حاملة معها اسم بلادها إلى كل الأسواق.
وفي أوروبا الشمالية، اعتمدت دول صغيرة الحجم على شركات طاقة وشحن ضخمة جعلت من اقتصاداتها المحدودة جغرافيا حاضرة في كل قارة، وفي كل هذه التجارب، كانت الفكرة واحدة أن الدولة لا تكتفي بانتظار أن يكبر الاقتصاد من تلقاء نفسه أو تواجد الفرص، بل تبني شركات تحمل معها الاستثمار والخبرة وسلاسل الإمداد والأسواق والوظائف، إلى الداخل والخارج في آن واحد.
وحين ننتقل إلى المنطقة العربية، نجد أن هذه الفكرة أخذت مسارًا خاصًا بها، ارتبط غالبًا بمرحلة اكتشاف الثروة النفطية وتحويلها إلى مؤسسات دائمة، فبعض الدول العربية المنتجة للنفط أنشأت شركات وطنية كبرى تولت وحدها إدارة الثروة الأساسية، ثم توسعت تدريجيًا في التكرير والبتروكيماويات والتسويق العالمي، لتصبح على مدى عقود من أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة والإنتاج.
كانت هذه الشركات في بداياتها أدوات لإدارة مورد واحد، لكنها تحولت مع الوقت إلى ركائز تُبنى حولها منظومات صناعية وتعليمية وبحثية كاملة، إلا أن التجربة العربية عمومًا ظلت لفترة طويلة أسيرة الاعتماد على مصدر واحد للثروة، وهو ما جعل استقرار بعض هذه الاقتصادات مرتبطا بشكل مباشر بتقلبات سوق واحدة، أكثر من ارتباطه بشبكة متنوعة من مصادر القوة.
وتحديدًا هنا تبرز التجربة الإماراتية بوصفها مسارًا مختلفًا داخل المنطقة نفسها.
لم تبن الإمارات شركاتها الكبرى لتكون واجهات اقتصادية فحسب، بل بنت معها منظومات متكاملة، كل واحدة منها تروي جزءًا من القصة، ففي مجال الطاقة، تحولت الشركة الوطنية من كيان مرتبط بإنتاج النفط والغاز إلى منظومة تمتد إلى الصناعة والتكرير والبتروكيماويات والخدمات وسلاسل الإمداد والاستثمار، بحيث لم تعد قيمتها الحقيقية في براميل النفط التي تضخها، بل في الصناعات التي تولدت حولها.
وفي مجال الاستثمار، أصبحت الأداة السيادية وسيلة لتحريك رأس المال الإماراتي في قطاعات وأسواق متعددة حول العالم، بما يفتح للدولة أبوابًا إلى صناعات ومعارف وأسواق لا توجد بالضرورة داخل حدودها، فتعود منها الخبرة والمعرفة إلى الداخل من جديد.
وفي مجال الطيران، لم تعد الناقلة الوطنية مجرد وسيلة نقل جوي، بل نشأت حولها منظومة من المطارات والسياحة والخدمات اللوجستية والضيافة والتجارة والسفر، حولت مدينة صحراوية إلى محطة عبور لملايين المسافرين كل عام، وفي مجال الموانئ، أصبح الاستثمار في إدارتها وتشغيلها حول العالم وسيلة للحضور داخل حركة التجارة العالمية نفسها، لا مجرد إدارة ميناء واحد داخل حدود الدولة.
نعم هذه الصورة المركبة تظهر فكرة قد لا ننتبه إليها حين ننظر إلى كل شركة بمعزل عن غيرها، وهي أن القوة الحقيقية ليست في الشركة وحدها، وإنما في قدرتها على خلق شبكة اقتصادية حولها، فشركة الطاقة تخلق موردين وصناعات وخبرات، وشركة الطيران تربط الأسواق وتستقطب الحركة الاقتصادية، وشركة الاستثمار تنقل رأس المال والخبرة إلى قطاعات جديدة، وشركة الموانئ تربط الإنتاج بالأسواق.. وحين تعمل هذه المنظومات كلها في اتجاه واحد، تتحول الشركة من وحدة تجارية منفردة إلى جزء من قدرة الاقتصاد بأكمله على امتصاص التغيرات.
هنا هو جوهر ما يمكن تسميته منهج الاستقرار الاقتصادي..، وهو منهج لا يعني أن الاقتصاد لا يتغير، بل على العكس تمامًا؛ الاستقرار الحقيقي هو أن تستطيع الدولة أن تتغير من دون أن تفقد توازنها، فالاقتصاد الذي يعتمد على مصدر واحد يبقى عرضة لتقلبات ذلك المصدر وحده، أما الاقتصاد الذي يملك الطاقة والاستثمار والطيران والموانئ والصناعة والخدمات ورأس المال العالمي، فإنه يوزع مصادر القوة والمخاطر في الوقت نفسه، ويكسب بذلك مرونة لا يملكها اقتصاد أحادي المصدر.
ولهذا يمكن النظر إلى الشركة الإماراتية الكبرى باعتبارها أكثر من مجرد وحدة اقتصادية؛ إنها قناة تنتقل من خلالها القدرة الوطنية إلى الأسواق الخارجية، ثم تعود منها المعرفة والخبرة ورأس المال والشراكات إلى الاقتصاد المحلي من جديد، وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في مسيرة الإمارات؛ ففي مرحلة التأسيس كان المطلوب أن تتحول الموارد إلى دولة، وفي مرحلة التنمية كان المطلوب أن تتحول الدولة إلى اقتصاد، أما في المرحلة الحالية فقد أصبح المطلوب أن يتحول الاقتصاد نفسه إلى شبكة من القدرات التي يمكن للدولة أن تعتمد عليها في عالم سريع التغير.
وإذا اتسعت الرؤية قليلاً لتشمل دول الخليج مجتمعة، يتضح أن التجربة الإماراتية ليست حالة منعزلة، بل إشارة إلى اتجاه أوسع بدأت المنطقة كلها تتحرك نحوه، وإن بسرعات متفاوتة، فبعض الدول الخليجية بدأت خططا طموحة لإعادة تشكيل اقتصاداتها بعيدًا عن الاعتماد على مصدر واحد، وأنشأت صناديق استثمارية سيادية ضخمة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل عبر التكنولوجيا والسياحة والصناعة والترفيه، بينما تسعى دول أخرى إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي لتكون مراكز عبور للتجارة والطاقة والاتصال الرقمي بين القارات.
والملاحظ أن هذه الدول، رغم اختلاف نقطة انطلاقها، تتقارب تدريجيًا حول فكرة واحدة، وهي أن الثروة الحقيقية لم تعد تقاس بما يوجد تحت الأرض، بل بما تستطيع الدولة أن تبنيه فوقها من مؤسسات وشركات وشبكات معرفة قادرة على الاستمرار حتى بعد أن يتغير شكل الطاقة العالمية نفسها.
من هنا تبدأ ملامح الفكرة القادمة تتشكل في أفق المنطقة كلها، فالمرحلة المقبلة لن تُقاس فيها قوة الدولة الخليجية بعدد الشركات الضخمة التي تملكها، بل بقدرة هذه الشركات على التحول إلى منصات إقليمية تتشارك فيها دول الخليج مصالح مشتركة، من الطاقة النظيفة إلى الذكاء الاصطناعي، ومن سلاسل الإمداد العابرة للحدود إلى مراكز المال والتكنولوجيا التي تخدم المنطقة بأكملها لا دولة واحدة فقط، وقد تصبح المنافسة بين هذه الدول أقل أهمية من التكامل بينها، حين تدرك أن شبكة اقتصادية خليجية متصلة قادرة على مواجهة تقلبات العالم بصورة أعمق من أي اقتصاد منفرد مهما بلغت قوته.
ولعل السؤال المستقبلي لم يعد يتعلق بحجم الشركة الخليجية أو الإماراتية بمفردها، بل بمدى اتساع الشبكة التي تستطيع أن تبنيها حولها، داخل حدود دولتها وخارجها، وداخل المنطقة وخارجها كذلك، فهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين شركة تنجح داخل اقتصاد واحد، وشركة تساعد اقتصادا بأكمله، بل منطقة بأكملها، على أن تصبح أكثر استقرارًا ومتانة أمام عالم لا يتوقف عن التغير، إذًا هل أصبحت الشركة أو المنظومة المؤسسية بوصلة ثابتة استراتيجيًا؟!.