تظل مسألة الديون وحقوق الآخرين من أكثر القضايا التي تشغل بال المسلمين، لارتباطها المباشر بالعبادات مثل الصيام والزكاة، ولتأثيرها على العلاقة بين الإنسان وربه ومجتمعه.
وتشير الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية وعلماء الأزهر إلى أن حقوق العباد لا تُسقط بالعبادات أو نية التصدق عن صاحب الحق، بل يجب السداد أو الحصول على الإبراء الشرعي من صاحب المال.
وفيما يخص الزكاة، أوضحت دار الإفتاء أن من أخذ مالاً بغير إذن صاحبه، سواء عن طريق قرض أو استدانة أو أي تصرف آخر، يلزمه رده أو طلب العفو من صاحبه، ولا يكفي أن يصوم أو يهدي ثواب الصيام لصاحب المال، واستشهدت بحديث النبي ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (رواه أبو داود)، مؤكدةً أن حقوق العباد واجبة الأداء قبل أي اعتبار للعبادات.
وعن التوبة من حقوق الآخرين، شددت الفتاوى على ثلاثة أركان: الندم على الخطأ، الإقلاع عن ارتكابه، والعزم على عدم العودة إليه، إضافة إلى رد الحق إلى صاحبه أو الحصول على مسامحته.
وفي حال تعذر الوصول إلى صاحب الدين، مثل غيابه أو عدم معرفة مكانه، أشار الدكتور محمود شلبي، أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء، إلى ضرورة الاجتهاد في البحث عنه، وإن لم يُعثر عليه بعد مدة معقولة، يمكن التصدق بقيمة الدين بنية أن يكون الثواب لصاحب المال، مع التأكيد على بذل الجهد أولاً قبل إخراج الصدقة.
وحذرت لجنة الفتوى بالجامع الأزهر من المماطلة في سداد الدين مع القدرة على الأداء، مؤكدةً حرمة التأخير، واستشهدت بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع» (متفق عليه)، موضحةً أن التأخير من القادر يُعد إثماً.
أما من مات وعليه دين، فأوضح الدكتور مجدي عاشور، المستشار العلمي السابق لمفتي الجمهورية، أن الدين يظل مرتبطاً بذمة المتوفى، ويجب على الورثة سداده من التركة.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه لم يُصلِّ على رجل عليه ديناران حتى تكفّل أحد بسدادهما، فقال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه»، وإذا كان المتوفى صادق النية في الوفاء ولم يتمكن من السداد، فإن الله يقضي عنه بفضله إن لم يوجد من يسدده.
وفي حال جهل الورثة أصحاب الديون، ذكر الدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أنه يجوز لهم إخراج صدقة بنية سداد الدين، بعد ترتيب الأولويات الشرعية بعد الوفاة: تجهيز الميت، تكفينه، الصلاة عليه ودفنه، ثم سداد الديون، وتنفيذ الوصية إذا وجدت، وأخيراً توزيع التركة على الورثة، مستشهداً بحديث: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه» (الترمذي 1078).
وأكد الدكتور عاشور أن الصلاة على المدين تُصلى بعد ضمان سداد دينه، موضحاً أن روح الميت تظل متعلقة بالحق حتى يُقضى عنه، وعلى أوليائه السعي في سداده، وإن عجزوا وكان المتوفى صادق النية في الوفاء، فإن الله يتكفل بالدين.
ويخلص من ذلك أن الديون لا تُسقط بالعبادات وحدها، وأن سداد حق الآخرين مقدم على كثير من الواجبات، حمايةً للحقوق وصيانةً للذمم.