تستعيد مؤسسة زايد الخير في الذكرى الرابعة والثلاثين لتأسيسها مسيرة حافلة بالعطاء الإنساني والتنمية المستدامة، منذ انطلاقها في الخامس من أغسطس عام 1992، مستلهمة رؤية الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي جعل العمل الإنساني قيمة راسخة ومنهجًا يعكس رسالة دولة الإمارات إلى العالم.
ومنذ تأسيسها، رسخت المؤسسة نهج الشيخ زايد القائم على مد يد العون للمحتاجين، وترجمة قيم التضامن والتكافل إلى مبادرات ومشروعات تنموية امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، عززت المؤسسة مكانتها بوصفها إحدى أبرز المؤسسات الإنسانية والتنموية، من خلال تنفيذ مشاريع نوعية داخل دولة الإمارات وخارجها، شملت مجالات الإغاثة، والأمن الغذائي، والتنمية المجتمعية، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، قبل أن تتبنى نموذجًا تنمويًا يدمج بين العمل الإنساني وبناء مجتمعات أكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة.
وامتدت برامج المؤسسة إلى أكثر من 180 دولة، فيما تجاوزت القيمة التراكمية لمساعداتها ملياري درهم، في انعكاس لنهج دولة الإمارات في ترسيخ ثقافة العطاء وتعزيز التضامن الإنساني، بدعم وتوجيهات القيادة الرشيدة، واستمرارًا للقيم التي أرساها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
وتتزامن الذكرى الرابعة والثلاثون مع مرحلة جديدة في مسيرة المؤسسة، عقب اعتماد توجهها الاستراتيجي الذي يركز على التكامل بين الاستجابة الإنسانية والتنمية المستدامة، من خلال دعم الأمن الغذائي، وتطوير الأنظمة الزراعية المرنة، والإدارة المستدامة للموارد، وتمكين المجتمعات اقتصاديًا، إلى جانب مواصلة تنفيذ برامجها الإنسانية والإغاثية.
ومنذ انطلاق أعمالها عام 1992، جعلت مؤسسة زايد الخير الإنسان محور برامجها ومبادراتها، لترجمة نهج دولة الإمارات في دعم الشعوب والمجتمعات الأكثر احتياجًا، مع اعتبار التنمية المستدامة هدفًا رئيسيًا رغم تنوع مجالات العمل وتطورها عبر السنوات.
وفي مراحلها الأولى، ركزت المؤسسة على توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمعات، من خلال دعم القطاعين الصحي والتعليمي، وتنفيذ مشاريع المياه وحفر الآبار، وتقديم المساعدات الإنسانية، وإنشاء مرافق خدمية أسهمت في تحسين جودة الحياة وترسيخ مقومات التنمية في العديد من الدول.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1992 و2005، نفذت المؤسسة أكثر من 600 مشروع إنساني وخيري تجاوزت قيمتها 606 ملايين درهم، وشملت دعم الحالات الصحية والتعليمية والإنسانية، إلى جانب إنشاء وتمويل عدد من المؤسسات والمرافق، من بينها مركز الشيخ زايد لرعاية الأطفال في ممباسا بكينيا، ومدرسة زايد الثانوية للبنات في نيوزيلندا، وكلية زايد للدراسات الاقتصادية والقانونية في مالي، ومعهد زايد العلمي بجامعة آدم بركة في تشاد، ومستشفى المعروف في جزر القمر، ومركز الشيخ زايد لإنقاذ البصر في جامبيا، ومستشفى منازي مموجا في إقليم زنجبار، فضلًا عن مئات المشاريع الأخرى في دول متعددة.
وشهدت المرحلة اللاحقة توسعًا في نطاق المشاريع الصحية والتعليمية، حيث أولت المؤسسة اهتمامًا بتطوير المرافق الطبية وتوفير خدمات علاجية متخصصة للمجتمعات المستفيدة، بما يعكس توجهها نحو توظيف الابتكار في الارتقاء بالقطاع الصحي. وفي الوقت ذاته، واصلت الاستثمار في التعليم باعتباره ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، عبر إنشاء المؤسسات التعليمية وتقديم الدعم للطلبة والأسر، بما يعزز فرص التعلم ويرفع جودة الحياة.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2015، نفذت المؤسسة أكثر من 67 مشروعًا تجاوزت قيمتها 339 مليون درهم، شملت مبادرات تعليمية وصحية وتنموية، من أبرزها أكاديمية الشيخ زايد للعلوم الإدارية في بوركينا فاسو، ودعم مركز زايد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في مصر، وإنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في طاجيكستان، إلى جانب مراكز للخدمات الاجتماعية في عدد من مناطق دولة الإمارات.
وفي الفترة من 2015 إلى 2025، واصلت المؤسسة توسيع مشاريعها، حيث تجاوز عددها 72 مشروعًا بقيمة تزيد على 196 مليون درهم، تضمنت إنشاء الأكاديمية الإسلامية في قرغيزستان، ومركز لرعاية كبار السن، ومجمعين سكنيين ومدارس ومستشفى في زنجبار بتنزانيا، إضافة إلى مستشفى الشيخة فاطمة للأمومة والطفولة في السنغال، ومستشفى الشيخ زايد في باكستان، ومشروع إعادة تأهيل مجمع الشيخ زايد لرعاية الطفل في إسطنبول.
ولم يقتصر نشاط المؤسسة على المشاريع الخارجية، بل عززت حضورها داخل دولة الإمارات من خلال برامج إنسانية وموسمية هدفت إلى دعم الأسر والفئات الأكثر احتياجًا، وترسيخ قيم التكافل المجتمعي، بإجمالي تجاوز 850 مليون درهم، شملت مبادرات إفطار صائم، وحقيبة الشتاء، وزايد للحج خارج الدولة، والمير الرمضاني، وكسوة العيد، وغيرها من المبادرات التي راعت احتياجات المستفيدين وحفظت كرامتهم.
ومع اتساع حجم أعمالها وتنوع مجالات تدخلها، برزت الحاجة إلى تطوير نموذج مؤسسي أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات العالمية، ولا سيما في مجالات الأمن الغذائي، والتغير المناخي، واستدامة الموارد، وتزايد الأزمات الإنسانية.
واعتمدت المؤسسة خلال عام 2026 توجهًا استراتيجيًا جديدًا يمثل مرحلة تحول في مسيرتها، يقوم على الانتقال من تنفيذ المشاريع القطاعية إلى بناء منظومات تنموية متكاملة تجمع بين العمل الإنساني والتنمية المستدامة، وتعالج جذور التحديات إلى جانب آثارها.
ويرتكز هذا التوجه على تعزيز الأمن الغذائي، وتطوير الأنظمة الزراعية المرنة، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وتمكين المجتمعات اقتصاديًا، وتحسين سبل العيش، مع استمرار تنفيذ البرامج الإنسانية في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة، بما يحقق التوازن بين الاستجابة العاجلة والتنمية طويلة الأمد.
ولدعم هذه المرحلة، أطلقت المؤسسة برنامجًا متكاملًا للتطوير المؤسسي، شمل تحديث منظومة الحوكمة، وتشكيل فريق للتحول المؤسسي، ورفع كفاءة إدارة المشاريع، وتعزيز التحول الرقمي، وتطوير البنية التقنية، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وترسيخ مبادئ الشفافية والفاعلية.
كما عملت على تطوير إطار أولي لتقييم وفرز المشاريع وفق أفضل الممارسات الدولية، يعتمد على معايير واضحة لتحديد الأولويات وقياس الأثر، مع تصنيف المشاريع بحسب مجالاتها الإنسانية والزراعية والرأسمالية والبحثية.
وباشرت المؤسسة تأسيس مكتب متخصص لإدارة المشاريع، يتولى توحيد الإجراءات، وتنظيم مسارات العمل، وتحسين جودة المتابعة والتقارير، بما يعزز التكامل بين إدارات الاستراتيجية والشراكات والبحث والابتكار والتنمية الزراعية.
وفي الوقت نفسه، وسعت المؤسسة شبكة شراكاتها الدولية، ونفذت بعثات ميدانية للاطلاع على أفضل التجارب العالمية في مجالات الحوكمة، وقياس الأثر، والعمل التنموي، بهدف تطوير برامجها وتعزيز كفاءة مشاريعها المستقبلية.
وكانت بعثتها إلى المملكة المتحدة من أبرز هذه المبادرات، حيث عقدت لقاءات مع مؤسسات دولية متخصصة في التنمية والابتكار والعمل الخيري، وأسهمت في تبادل الخبرات والاطلاع على أفضل الممارسات في تقييم المشاريع، والتمويل التنموي، والابتكار الزراعي، وبناء الشراكات الاستراتيجية.
وانطلاقًا من إيمانها بأهمية الابتكار، جعلت المؤسسة التحول الرقمي أحد محاورها الرئيسة، باعتباره أداة فاعلة لرفع كفاءة العمل الإنساني، وتحسين الخدمات، وتسريع اتخاذ القرار، وتعزيز الشفافية.
وفي هذا الإطار، اعتمدت منصة "مايكروسوفت دينامكس 365" لتوحيد العمليات التشغيلية والإدارية والمالية، وتحسين جودة البيانات والتقارير، وتعزيز التكامل بين الإدارات، تمهيدًا لمرحلة جديدة من الإدارة المؤسسية المعتمدة على البيانات.
كما تبنت المؤسسة استراتيجية "السحابة أولًا" عبر نقل أنظمتها التشغيلية إلى منصة "مايكروسوفت أزور"، بما يوفر بيئة تقنية أكثر مرونة واعتمادية، إلى جانب إنشاء منظومة متكاملة للنسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث لضمان استمرارية الأعمال.
وشملت جهود التطوير أيضًا تحديث المنظومة الرقمية بالكامل، عبر استحداث أنظمة لإدارة المستفيدين، والوثائق والأرشفة، وتقييم المشاريع، إضافة إلى تطوير أنظمة الاتصالات وتقنيات الصوت والصورة، بما يعزز كفاءة العمل المؤسسي.
وفي خطوة تعكس توجهها نحو الحلول المستقبلية، أصبحت المؤسسة من أوائل الجهات الإنسانية التي تعتمد استراتيجية "الذكاء الاصطناعي أولًا"، من خلال برنامج متكامل لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف العمليات المؤسسية. وأسفرت هذه المبادرة عن تحديد أكثر من 100 حالة استخدام لدعم الموظفين، وتحسين الخدمات، وتعزيز تحليل البيانات، ورفع كفاءة إدارة المشاريع، وتطوير آليات اتخاذ القرار.
كما أبرمت المؤسسة اتفاقية تعاون مع شركة "أليريا" لتنفيذ مشروع ضمن برنامج تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بهدف توظيف الحلول الذكية في تعزيز استدامة العمل الإنساني، وتحسين تجربة المستفيدين داخل الدولة وخارجها، ودعم تحقيق أهداف التنمية.
وامتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى المشاريع الميدانية، ومن أبرزها مشروع الكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري في المملكة المغربية، الذي يجسد توظيف التقنيات الحديثة في تطوير الخدمات الصحية وتحسين جودة الحياة.
وفي موازاة التحول الرقمي، أولت المؤسسة الأمن السيبراني اهتمامًا كبيرًا، حيث نفذت مراجعة شاملة للبنية التقنية أسهمت في معالجة نحو 90% من الثغرات المرصودة، بما عزز جاهزية الأنظمة ورفع مستوى الحماية الرقمية.
وحصلت المؤسسة كذلك على شهادة ISO/IEC 27001:2022 الخاصة بأمن المعلومات، تأكيدًا لالتزامها بتطبيق أفضل الممارسات العالمية في إدارة المخاطر وحماية الأصول المعلوماتية.
وتواصل مؤسسة زايد الخير، في الذكرى الرابعة والثلاثين لتأسيسها، مسيرتها مستندة إلى إرث إنساني راسخ ورؤية مستقبلية تجمع بين الخبرة والابتكار، وتدمج العمل الإنساني بالتنمية المستدامة.
ومنذ انطلاقها قبل أكثر من ثلاثة عقود، بقي الإنسان محور رسالتها، وظلت كرامته وتحسين جودة حياته الهدف الرئيس لمبادراتها، فيما تمضي اليوم نحو توسيع أثرها التنموي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتمكين المجتمعات، وتطوير الشراكات، والاستثمار في المعرفة والابتكار، بما ينسجم مع رؤية دولة الإمارات لمستقبل أكثر استدامة.
واختتمت المؤسسة بالتأكيد على أن ما تحقق خلال العقود الماضية يشكل قاعدة لانطلاقة أكثر طموحًا، تواصل خلالها أداء رسالتها الإنسانية، مستلهمة نهج الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وبدعم القيادة الرشيدة، لترسخ مكانتها نموذجًا إماراتيًا رائدًا في العمل الإنساني والتنموي داخل الدولة وخارجها.