في مرحلة البكالوريوس كنت أستعد لتقديم عرض مشروع التخرج، وكنت من ضمن الطلبة الذين وقع عليهم الإختيار للعرض أمام ضيف ذو شخصية مهمة جداً وعتبارية وكان المطلوب أن يكون تقديم العرض عبر برنامج البوربوينت، أعددته بعناية، لكنني، بدافع داخلي غامض، قمت أيضًا بطباعة شرائح العرض، وأعددت نسخة أخرى على شرائح شفافة لعرضها على جهاز العرض التقليدي (البروجكتور).
في يوم التقديم، تعطلت أجهزة الكمبيوتر بشكل مفاجئ أثناء عرض الطالبة التي تسبقني، وتوقف العرض داخل القاعة، ساد الارتباك، وبدأ الحديث عن الانتظار وتأجيل التقديم، وفي تلك اللحظة، تذكرت الشرائح التي أعددتها، وتقدمت إلى لجنة التقديم وأخبرتهم أنني أستطيع تقديم مشروعي باستخدام جهاز العرض بدلًا من الكمبيوتر.
تمت الموافقة، وبدأت عرض مشروعي بهدوء وثقة، وأنهيت العرض في موعده، وكنت الوحيدة التي قدمت مشروعها في ذلك اليوم دون تأجيل، ولاقى ذلك استحسان اللجنة وعمادة الجامعة ومشرفتي، الذين شكروني على حسن الاستعداد ووضعي لخطة بديلة.
خرجت من القاعة وأنا أدرك أنني تعلمت درسًا عميقًا: النجاح لا يعتمد فقط على إتقان الخطة الأساسية، بل على الاستعداد لاحتمال تعثرها، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الخطة البديلة جزءًا أساسيًا من كل مشاريعي، لأنها تمنحني هدوءًا، وتجنبني القلق والتأخير عندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها.
في الحياة، كما في الدراسة والعمل، لا تسير الأمور دائمًا وفق ما نخطط له بدقة، قد نضع خطة محكمة، ونبذل فيها الجهد والوقت، ثم يفاجئنا ظرف خارج عن إرادتنا يربك المشهد كله.
هنا، تظهر قيمة ما يُعرف بالخطة البديلة (الخطة ب)، تلك المساحة الذكية بين الاستعداد والمرونة، بين الثقة بالنفس والوعي باحتمالات الفشل أو التعثر.
الخطة البديلة ليست تشاؤمًا، ولا ضعف ثقة بالخطة الأساسية، بل هي تعبير راقٍ عن الوعي بالحياة كما هي، لا كما نتمنى لها أن تكون، هي خطة تُعدّ مسبقًا لاحتمال تعثر الخطة أ، دون أن تلغي الإيمان بها أو تقلل من قيمتها، إنها اعتراف ذكي بأن الظروف متغيرة، وأن الإنسان الناجح هو من يستعد للنجاح حتى في أسوأ السيناريوهات.
تكمن أهمية الخطة البديلة في أنها تمنح صاحبها شعورًا بالأمان الداخلي، حين نعلم أن لدينا خيارًا آخر، فإن القلق يتراجع، والارتباك يهدأ، والذهن يصبح أكثر صفاءً عند مواجهة الأزمات.
(الخطة ب) لا تمنع الفشل بالضرورة، لكنها تمنع الانهيار، وتحوّل الصدمة إلى تصرّف واعٍ، وتحوّل المفاجأة إلى فرصة لإظهار الحكمة والمرونة.
وتُستخدم الخطة البديلة عندما يكون المشروع مهمًا، أو القرار مصيريًا، أو الزمن عنصرًا ضاغطًا، أو حين يكون احتمال التعثر قائمًا ولو بنسبة ضئيلة.
في الامتحانات، في العروض التقديمية، في المشاريع المهنية، في السفر، في الاستثمار، وحتى في القرارات الأسرية، وجود خطة بديلة يعني أنك لا تضع كل ثقتك في احتمال واحد، ولا ترهن نجاحك بظرف واحد.
بالنسبة للقائد والمدير، الخطة البديلة ليست رفاهية، بل ضرورة قيادية، القائد الذي يفكر بخطة واحدة فقط، يضع فريقه تحت رحمة المفاجآت، أما القائد الواعي، فيضع سيناريوهات متعددة، ويُعد فريقه للتعامل مع التغيير دون ذعر.
وجود خطة ب في القيادة يعني استمرارية العمل، وحماية السمعة، وتقليل الخسائر، وبث الطمأنينة في نفوس العاملين. الموظفون يثقون بالقائد الذي يعرف ماذا يفعل حين لا تسير الأمور كما هو مخطط لها.
أما الموظف، فإن الخطة البديلة تمنحه استقلالية وقوة داخلية، الموظف الذي يملك حلولًا بديلة، ومهارات إضافية، وخيارات أخرى، لا يُصاب بالشلل عند تعطل أداة أو فشل إجراء، هو موظف مبادر، يُنظر إليه كعنصر موثوق، وقادر على إدارة الأزمات الصغيرة قبل أن تتحول إلى مشاكل كبيرة.
وللطالب، الخطة البديلة هي درس مبكر في النضج، طالب يعتمد خطة واحدة فقط ينهار إذا تعثرت، أما الطالب الذي يضع بدائل للمذاكرة، ولطرق الفهم، ولتقديم المشاريع، فإنه يتعلم كيف ينجو، وكيف يستمر، وكيف يحول العوائق إلى خبرة، الخطة ب تعلم الطالب أن النجاح ليس طريقًا مستقيمًا، بل مسارًا فيه التفافات ذكية.
وفي حياة الفرد والأسرة، تتجلى الخطة البديلة بأعمق صورها في التخطيط المالي، في تربية الأبناء، في الصحة، في العمل، وفي الأحلام المؤجلة، الأسرة التي تملك بدائل لا تنهار مع أول أزمة، والفرد الذي يفكر بخيارات متعددة لا يُهزم بسهولة، الخطة ب هنا ليست فقط خطة، بل أسلوب حياة قائم على الحكمة، والتوكل الواعي، والأخذ بالأسباب دون خوف.
باختصار، في عالم سريع التغير، تبقى الخطة البديلة علامة فارقة بين من ينتظر الحل، ومن يصنعه.