تُعدّ مهارة صنع القرار من أكثر المهارات الإنسانية تأثيرًا في مسار الحياة، فهي البوصلة التي توجه اختياراتنا الصغيرة قبل الكبيرة، وهي الفاصل الدقيق بين التقدم والتراجع، وبين الندم والرضا، فالحياة في جوهرها ليست إلا سلسلة متتابعة من القرارات، بعضها واعٍ ومدروس، وبعضها عفويّ يتشكل تحت ضغط اللحظة، لكن نتائجها جميعًا تتراكم لتصنع شكل المستقبل.
وصنع القرار لا يعني مجرد الاختيار بين بديلين، بل هو عملية عقلية ونفسية مركّبة، تبدأ بالإدراك وتنتهي بتحمّل المسؤولية، وهو القدرة على تحليل المواقف، وفهم الخيارات، وتقدير العواقب، ثم الحسم بثبات ووعي.
معنى مهارة صنع القرار
هي القدرة على اختيار أنسب البدائل المتاحة بعد دراسة المعطيات، وتحليل الظروف، وتقدير النتائج المتوقعة، مع الاستعداد لتحمّل تبعات القرار أياً كانت، وهي مهارة تجمع بين العقل والمنطق من جهة، والحدس والقيم الشخصية من جهة أخرى، فلا يُبنى القرار السليم على الأرقام وحدها، ولا على المشاعر وحدها، بل على توازن ناضج بينهما.
أهم خطوات مهارة صنع القرار
- المشكلة وفهم جوهر التحدي وتحديد المشكلة الحقيقية .
-جمع المعلومات والبيانات والتأكد منها لتجب القراررات المبنية على فرضيات خاطئة.
-ايجاد ووضع بدائل محتملة ( خطة بديلة أو خطة ب ).
-تحليل البدائل لمعرفة نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات، واستخدام الأدوات المناسبة لذلك مثل قائمة المزايا والعيوب وتحليل سوات SWOT Analysis.
-استخدام الذكاء العاطفي لتحقيق التوازن بين العواطف والمنطق.
-التفكير الإستباقي والتنبؤ بالنتائج لتقدير العواقب طويلة وقصيرة المدى لكل قرار.
-الحسم والتنفيذ وتجنب التردد.
-المتابعة والتقيم والمراجعة.
تبدأ العملية بتحديد المشكلة أو الموقف بوضوح، لأن القرار الخاطئ كثيرًا ما يكون نتيجة فهم خاطئ للمشكلة نفسها، يلي ذلك جمع المعلومات ذات الصلة، دون إفراط يُربك الرؤية أو تفريط يُضعفها، ثم تأتي مرحلة توليد البدائل الممكنة، فغياب الخيارات غالبًا ما يخلق شعورًا زائفًا بالعجز، بعد ذلك يتم تقييم كل بديل من حيث الإيجابيات والسلبيات، والنتائج القريبة والبعيدة، ثم اختيار البديل الأنسب في ضوء القيم والأهداف، وأخيرًا، تنفيذ القرار ومراجعته لاحقًا للتعلم من التجربة، فالقرار لا يكتمل إلا بالتأمل في نتائجه.
المهارات المرتبطة بصنع القرار
ترتبط هذه المهارة ارتباطًا وثيقًا بالتفكير النقدي، الذي يمكّن الفرد من التمييز بين الحقائق والانطباعات، وبين الرأي والمعلومة، كما تعتمد على مهارة التحليل وحل المشكلات، والقدرة على إدارة الوقت، لأن التردد الطويل قد يكون قرارًا سلبيًا بحد ذاته.
ويلعب الذكاء العاطفي دورًا محوريًا في ضبط المشاعر أثناء اتخاذ القرار، خاصة في المواقف الحساسة، ولا يمكن إغفال مهارة التواصل، خصوصًا في القرارات الجماعية، حيث يتطلب الأمر الاستماع، والإقناع، واحترام وجهات النظر المختلفة.
معوّقات صنع القرار
من أبرز المعوقات الخوف من الخطأ، الذي يشلّ القدرة على الحسم ويُغرق صاحبه في دوامة التردد، كذلك التحيزات الشخصية والتجارب السابقة المؤلمة التي قد تُسقط على مواقف جديدة دون وعي، ومن المعوقات أيضًا نقص المعلومات أو كثرتها المربكة، وضغط الوقت، وتأثير الآخرين، خاصة حين يطغى إرضاء الناس على القناعة الذاتية، كما أن ضعف الثقة بالنفس يجعل الفرد يتراجع عن قراراته حتى وإن كانت صحيحة.
أهمية مهارة صنع القرار للقائد
القائد يُقاس بقراراته قبل كلماته، فكل قرار يتخذه لا يؤثر فيه وحده، بل ينعكس على فريقه ومؤسسته ومسار العمل بأكمله، والقيادة الفاعلة تحتاج إلى قائد قادر على اتخاذ قرارات شجاعة في أوقات الغموض، ومتزنة في أوقات الأزمات، وعادلة في التعامل مع الأفراد، كما أن القرار الواضح يمنح الفريق الشعور بالأمان والثقة، بينما التردد المستمر يُضعف الهيبة ويخلق الارتباك.
أهمية هذه المهارة للفرد والأسرة
على مستوى الفرد، تمنحه هذه المهارة الإحساس بالتحكم في حياته، وتقلل من مشاعر الندم والضياع، أما في الأسرة، فصنع القرار الواعي يسهم في الاستقرار، سواء في القرارات التربوية، أو المالية، أو الاجتماعية، والأسرة التي تُشرك أبناءها تدريجيًا في اتخاذ القرارات، تزرع فيهم الاستقلالية وتحمل المسؤولية منذ الصغر.
أهميتها للطالب والموظف
الطالب الذي يمتلك مهارة صنع القرار يكون أقدر على اختيار تخصصه، وتنظيم وقته، وتحديد أولوياته الدراسية، بعيدًا عن التقليد الأعمى أو ضغط الأقران، أما الموظف، فهذه المهارة تساعده على التعامل مع التحديات المهنية، وحل المشكلات، واتخاذ المبادرات، مما ينعكس على أدائه وفرص تطوره الوظيفي.
كيف يمكن تطوير مهارة صنع القرار؟
تُنمّى هذه المهارة بالممارسة الواعية، بدءًا من القرارات اليومية البسيطة. كما يساعد التأمل في التجارب السابقة واستخلاص الدروس دون جلد للذات. والقراءة في تجارب القادة وأصحاب الخبرة توسّع أفق التفكير، ومن المهم تعلّم إدارة المشاعر، وطلب المشورة دون التفريط في الاستقلالية، وبناء الثقة بالنفس تدريجيًا، والأهم من ذلك، تقبّل فكرة أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، وأن القرار غير المثالي أحيانًا أفضل من الجمود.