الثابت أن الإنسان يتحرك في الحياة وفق أصول حاكمة تنظم تعامله مع أفراد المجتمع، وإلا استحالت حياته إلى فوضى، وانعكس ذلك سلبًا على الأسرة والمجتمع. وإن المحرك الأساس لسلوك الإنسان هو منظومة القيم التي تتجلى آثارها في واقعه.
ومن خلال قراءة كتاب "مشكلة الثقافة" للمفكر مالك بن نبي، تبين لنا أنه عرف الثقافة بأنها: "مجموعة الصفات الخُلُقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح العلاقة بين سلوكه وأسلوب الحياة في وسطه لا شعورية".
ومن أجل توضيح مضمون تعريف الثقافة، بحثنا في تعريف القيم في اللغة، فتبين أنه يُقصد بها: "الثبات والاستقرار، وكل جيد وما له قيمة ممتازة، وهي الدالة على الفضائل الدينية والخُلُقية والاجتماعية".
أما معنى القيم في الاصطلاح، فهي: "المثل والقواعد المستحسنة بالفطرة والعقل والشرع، والتي تقوم عليها الحياة الإنسانية، متميزة بها عن الحياة الحيوانية، وهي القوانين والمحركات الداخلية الصامتة التي تعمل في سكينة ودأب؛ لتصوغ ضميرًا حيًا".
وتعد هذه القيم موجهة لسلوك الإنسان، والتي تظهر في أفعاله عند اتخاذه موقفًا معينًا في أي واقعة كانت. انظر: (د. عماد يوسف خورشيد، نفائس قانونية وقيم إنسانية، هاترك للطباعة والنشر والتوزيع، 2026، اربيل، ص 118).
أما معنى الخُلُق أيضًا من خلال الإطلاع على معاجم اللغة؛ لاحظنا أن الخُلُق: (اسم). جمعه: أخلاق. الخُلُق: حالٌّ للنفس راسخةٌ تصدر عنها الأفعالُ من خيرٍ أو شرٍّ. وهناك: سَيِّئ الخُلُق/ ضيِّق الخُلُق: صاحب خلق رديء منحطّ، ووَدَاعةُ الخُلُق: لينُه ودماثتُه.
وعُرِّفت الأخلاق في الاصطلاح بأنها: قوة راسخة في الإرادة توجه سلوك الإنسان إلى ما هو خير أو شر. والخُلُق الحسن هو: قواعد إلزامية تتصل بالواجب عند الذات في شأن التعامل مع الغير خارج ميدان التبادلات. فهو الجسر النبيل بين الفرد والمجتمع من خلال العطاء المجرد عن الغرض للغير. ( د. عزت قرني، أصول الأخلاق، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، 2018، ص75، 425).
وبناء على ما تقدم، فالقيم يُقصد بها النموذج المعرفي الكلي في توجيه سلوك الإنسان للالتزام به لمقاصد إنسانية عليا لاستقرار التعاملات بين الناس، ويظهر تطبيق ما تقدم في الأخلاق الحسنة، أما الأخلاق فهي السلوك العملي للقيم – أعلاه - بمعنى تحويل معنى القيم إلى تطبيق واقعي عند التعامل مع الناس، ومثاله: أن الشخص يعلم أن هناك قيمة الصدق ويعلم جوانبه الإيجابية فيحولها إلى واقعه اليومي.
ومما دعاني للكتابة في هذا الموضوع والتعمق فيه، هو حديث دار بيني وبين زميل في دولة مصر أثناء دراستي الدكتوراه في جامعة القاهرة عام 2021، حيث ذكر أن المثقف، من وجهة نظره، هو: "الشخص الذي إذا واجهته مشكلة ما، يسعى لإيجاد حلول لها". وهي رؤية قيمة وناضجة، فلو استوعبت هذه الفكرة من قبل من تصدر منهم المشاكل في الحياة، وأخذت الجهات التربوية والإعلامية والجامعات دورها في توضيحه للمجتمع؛ لتقلصت المشكلات الأسرية والمجتمعية والجرائم بشكل ملحوظ.
وبعد الاطلاع على الموضوع وفق أصوله العلمية، نضيف إلى كلام زميلنا أن المثقف هو من لا تصدر منه المشكلات أبدًا، لعلمه بقيم المجتمع من صدق وأمانة وإخلاص وحياء وأدب واحترام، ويظهر ذلك في أخلاقه عند التعامل مع الآخرين. ومعلوم أن الوظيفة الأساسية للقانون الجنائي هي حماية القيم والمجتمع من الإجرام.
وخلاصة القول، المثقف هو من يجد للمشكلة حلولًا، بخلاف الجَاهل الذي يخلُق من المُشكلة مشاكل مُتشعبة، والمُثقف لا تصدر منه المشاكل أو الجرائم؛ لإدراكه قيم المجتمع، ويتجسد ذلك في أخلاقه عند التعامل مع الأفراد، فهو يعد ضمير المجتمع وقلبه النابض بالحكمة، وكيف لا والأخلاق التي تظهر في سلوكه تعد ركن أساسي من الأركان الأربعة للثقافة التي ذكرها مالك بن نبي في كتابه أعلاه: الأخلاق، الجمال، المنطق العملي، الصناعة.
نبذة عن الكاتب
الدكتور عماد يوسف خورشيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد، بالجامعة التقنية الشمالية/ العراق.