5 مارس 2026
عبير الهاجري تكتب: الهوية بين حدود السيولة وخرائط بين الهوية والحرية

في عالم تتسارع فيه خطى العولمة وتتآكل فيه الخصوصيات الثقافية، أتساءل: ما هي السيولة التي تحتاجها الأمم اليوم؟ هل نحن نغوص في الجوهر أم يُبهرنا الغصن وما يحمله؟ يبرز تساؤل جوهري: ما الذي يمنح الدول قوتها الحقيقية؟ وبماذا تعزف له بعد الاستقرار؟ هل هي المنهجيات الإدارية الاعتيادية لتنفيذ كل دستور أم الأرقام الصماء في الميزانيات؟

إن القراءة العميقة للواقع تؤكد أن الهوية ليست مجرد إرث ومكان ننتسب له، بل هي أقيم اقتصاد تمتلكه الأمم، وهي القاعدة الصلبة التي تقوم عليها أي نهضة حقيقية. 

إذ إن طبيعة السيولة هي أن نمتلك رصيداً غنياً من المواقف الحقيقية التي يمكن أن تكون منصات مستدامة لأهمية تشكيل المجتمع وهويته، هنا، معادلات الفداء الوطني، لو توفرت، نكون قد حققنا أهم طوق حماية ضد أي دخائل لمجتمعاتنا.

أتساءل: ما وراء منهجية الهوية كمحرك للنمو؟ ما هي الفروقات بين الهوية في الغرب وبين تعاملنا مع هوياتنا؟ بينما يمتلك الغرب المنهجيات المتطورة والأدوات التقنية، نجد أن الكثير من مجتمعاته تعاني من أزمة معنى وفراغ في مداخل الهوية، أمام طموح الهوية الإجرائية، وهذا ما جعلها حلماً للبعض أو لجزء من الشعوب. 

لكن في محليتنا نبرز الثقافة لأنها بنية أساسية لحمايتنا، وهذا ما سلط الضوء علينا، وهنا تكمن قوتنا؛ فنحن لا نملك منهجية فحسب، بل نملك الدافع الروحي والجذري، إن الهوية الوطنية المستمدة من تضحيات الأبطال والشهداء هي الوقود السيادي الذي يحول العمل من مجرد وظيفة إلى رسالة، ومن الدفاع إلى تاريخ ملتزم، ومن مجرد إنتاج إلى بناء حضاري، كمثال حي، وهنا نقطة مشتركة بين كل وطن في سعيه لمستقبله، أنه يعزز تاريخه. الغرب يراها نحن الأقوى، والمنطقة الشرق أوسطية، وبالأخص الإمارات، نحن حقيقة الأفضل.

استثمار رأس المال الرمزي عبقرية
تحويل تضحيات التاريخ إلى استثمار وطني مستدام ليس مجرد تكريم للماضي، بل هو بناء للمستقبل، عندما نستثمر في الهوية فنحن نستثمر في:
المرونة المجتمعية: القدرة على مواجهة الأزمات بروح الجماعة لا ببرود الفردية.
الابتكار القيمي: تقديم حلول تقنية واقتصادية تنبع من حاجتنا وخصوصيتنا، لا تقليداً أعمى للآخر.
الاستقلالية: التوقف عن رؤية الغرب كملاذ وحيد، وتحويل أوطاننا إلى مراكز جذب قائمة على العدالة والرفاه والهوية معاً.

ما هي خرائط الخصوصية بين الهوية والحرية
لا تكتمل قيمة الهوية إلا بوجود منطقة مؤسسية تحتضنها، وهذا هو دور مراكز اختيار أين تكمن الحرية.
صناعة الفارق: تحويل المعنى إلى مبنى، والقيمة إلى قوة شرائية وتنموية.

الخاتمة: الهوية هي بوصلة المستقبل
إن تميزنا لا يكمن في خوفنا على هويتنا، بل في حرصنا على إدراكنا أنها أثمن ما نملك، إن الغرب قد يسبقنا بالمنهجية ويعتز بقوته وصراعاته وتاريخه، كما فرنسا وألمانيا، ورغم تعدد الثقافات يبقى العالم يحاورهم بما يرغبونه، لكننا أصحاب قرار في توجيه أوطاننا بالعمق والروح. 

التحدي اليوم ليس في الدفاع عن الهوية بالانغلاق، بل في الجاهزية التامة المتكاملة نسير بها من خلال الابتكار، نحن نملك الاقتصاد الأقوم، وحان الوقت لنثبت للعالم أن الهوية الصامدة هي التي تصنع الاقتصاد المستدام، وليس العكس.

إن الأمم لا تسقط بفقدان مواردها، بل تسقط عندما تفقد الروح التي تجعل لتلك الموارد قيمة، والتي لا ترفع من شأنها وشعبها، والتي لا تفرض الاحترام لجميع البشر، وأيضاً أسست إقرارات ليبقى الإنسان إنساناً في كل معالم الحياة.

الهوية ليست نقيض الحرية ولا رفضها، بل شرطها الأول لتقديرها؛ فالحرية بلا مرجعية تتحول إلى تيه، والهوية بلا حرية تتحول إلى قيد وإلى مظاهر، وليس توازناً، هي ما صناعة الحضارة العربية.

كيف لنا ألا نخاف على عقولنا رغم عولمتنا القوية؟ تلك العقول التي تهديك أفكاراً لا تخلو من فطرة الأرض، حين أسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان دولة الإمارات العربية المتحدة لم تكن هناك موارد، لكن كان معه قيمة لا تُقدَّر بثمن، وهي الثقة بما تحمله الفكرة، لم يبن اتحاداً إدارياً فقط، بل أرسى معنى سيادياً؛ بالحكمة ننجو، والإصرار كفيل بأن يمنحنا التنمية.

قد نستورد نموذجاً، لكننا نريد حلماً في إرثنا، ديمومة لشعب الإمارات، بل صياغة مسار مستدام قابل لأن تُرفع مؤشراته؛ لن نكتفي، لذلك لم تكن الهوية في التجربة الإماراتية رد فعل أو حالة طوارئ، بل مشروعاً واعياً، ضميراً في كل احتياجات الأمم، حتى تبدو أكثر تماسكاً أمام العولمة، لأنها لم تُبنَ على الخوف بل على الثقة. 

إذ إن الأفكار المظلمة لا يمكن أن تشرق أمام ازدهار نبيل للأمم الأصيلة، وكأن العالم التفت فجأة ليتفاجأ بدولة غيرت مفاهيم الزمن وقوة المساحة، خطواتنا كانت تتناسب مع خريطة تسير إلى الأعمق، لم تقف عند حدود جغرافيتها، التطرف يخاف عزائمنا واعتزازنا بالهوية الوطنية وقيادتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE