20 أغسطس 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: غيبوبة الذات

سنتحدّث عن "التغييب"، أو في أحد معانيه التخدير، التي تشير إلى مغادرة الواقع، وفقاً للمفهوم التقليدي للواقع، ليس فقط التخدير الطبي، الذي يعدّ واحداً من تطبيقات هذه النظريّة، بل كلّ ما يمكن تصنيفه ضمن حالة الاستعانة بتجاوز الألم، الألم لا ينتج عن ضربة أو جرح جسدي فقط، بل أشدّ منه هو ذلك الناتج عن ضربة أو جرح نفسي، يُصيب الشعور، لكن في هذا الأخير المقصود منه يفوق غير المقصودة حدّةً؛ خلافاً للألم الجسدي.

بناءً على ما تقدّم، تكون كلّ وسائل رفع الألم أو إلغاء الإحساس به "التغييب" ضمن نطاق حديثنا؛ وهي تشمل: المواد المخدّرة، سواء أكانت لغاية طبيّة أم غيرها، الأدوية، المشروبات على أنواعها، حتى الخيال والأفكار، بل والأحلام أيضاً، نقصد أحلام التخطيط للمستقبل وأحلام النوم معاً، لن نتحدّث عن سبب حصول الألم هنا، فهو ذو نطاقٍ مستقلّ؛ سنبدأ من مرحلة ما بعد حدوثه؛ فهو قد حدث وانتهى الأمر، ما علينا هو تجاوز قسوة معايشته.

في كلّ صور "التغييب" التي تحدّثنا عنها، يسعى الإنسان ذاته، أو من يتعامل معه، إلى إزاحة التدبير العقلي من مرحلة إلى أخرى. المرحلة الراهنة لا تكون صالحة لاتخاذ قرار ما؛ يريد عقل الإنسان الانفصال عن مداهمة الألم؛ ليقرّر بعد ذلك البحث في سببه وفي كيفيّة التعامل معه.

ينبغي علينا الانتباه إلى أنّ هذه الأحوال كلّها: خروج المريض من عمليّته الجراحيّة وانتهاء مفعول التخدير، خروج المصدوم من صدمته الأولى وانتهاء فكرته حولها، انتهاء موقف الذهول وهدوء ما بعده، ابتعاد الحدث النفسي مدّة من الزمن... وهكذا. كلّ هذه الحالات كانت كفيلة بخلق تراكم مرحلي بين الفترة السابقة وتلك اللاحقة. أهميّة هذا التفريق ليست في العودة إلى الحالة السابقة للصدمة أو الضربة أو غيرها، فالعودة هذه باتت مستحيلة في كلّ حال.

غير أنّ أهمية مراقبة هذا التراكم المرحليّ تعني: أنّنا أمام حالة جديدة؛ تختلف عن تلك الحالة التي كان من المفترض أن تكون راهنة، فيما لو لم تحصل هذه الصدمة، الضربة، المرض... إلخ. بمعنى: تغيّر مسار الحياة تماماً، بما يفرضه هذا من تغيير في حسابات الشخص ذاته، ومَن هم حوله أيضاً؛ في التعامل مع ظواهر الدنيا، ومع الآخرين كذلك.

من أمام صورة الجديد الغريب، هذا يتعيّن علينا إدراك أن هناك تراكماً آخر؛ بدأ منذ لحظة الهروب نحو "التغييب". بل هناك مرحلة أخرى يجب أن ينتبه لها الجميع؛ سابقة على مرحلة الهروب هذه، وهي: مرحلة التساهل، أو التقبّل لحدوث أمر ما مع ترجيح عدم حصوله. هذا يعني أن الإنسان تصوّر سابقاً، في واحدةٍ من حالات هذه التركيبة، أنّ ألماً ما بات على مشارف ذاته، لكنّه ظل يلوذ براحة ما، أو حلاوة؛ أبقته أسيراً لترجيح عدم حصول الألم.

التصوّر بحد ذاته تحوّط تحطّمه الذات حين تذهب إلى "تغييب تمهيدي"، وهي ترجّح طرح المخاوف، أو تقلّل من شأن تأثيرها. الأمر قد يختلف في حالة عدم تصوّر الألم السابق هذا، لكنّه يتّحد معه في أنّ رسالة من نوع ما وصلت إلى هذا الشخص، لكنّه تجاهلها لمرّات ومرّات. قد يتّخذ الجهل وضعف الخبرة شكل "عدم التصوّر"، لكنّ فارقاً بين الحالتين يكمن في خطورة الارتداد الذاتي على النفس؛ بحيث تُعاقب النفس ذاتها في "التغييب التمهيدي" لعلّة تقصيرها بحق ذاتها، سيّما مع تحذيرها، بينما تجد في الثانية ملاذاً، قد تبحث فيه عن ذريعة تساعدها في القفز مرّة أخرى في مسار "التغييب".

إذا عُدنا إلى مرحلة الهروب بعد حدوث الألم، نجد أنّ طريقاً طويلاً يسير مبتدئاً من عندها، يمكن تقسيمه إلى مراحل؛ تبني بعضها فوق البعض الآخر، بما يعني: أنّ بناءً جديداً في حياة الإنسان قد بدأ تشكّله، وهو يعني بالضرورة تغييراً في ذاته، نفسيّته، بل شكل جسده حكماً.

في تقسيمات هذه المرحلة، التي تبدأ بالتعامل مع "المغيّبات" من أجل تغييب قدرة الإحساس بالألم، تمرّ بعد مرحلة التفكير بالتعامل معه وما يحتضنه من تردّدات تعني: اتخاذ قرارات لم تكن في تصوّر صاحبها قبل ذلك؛ لتضاعف هذه الذات مغامرتها حين تقرّر التعامل، أو حتّى عدم التعامل مع هذه "المغيّبات"، مروراً بأزمة نتائج اتخاذ أحد هذين القرارين، وردّة فعل الذات والآخرين تجاه ذلك. لن تنتهي عند حد إنهاء حالة التعامل هذه، أو أثر القرار بعدم التعامل.

نقف مباشرةً عند حالة العودة من رحلة المتاعب هذه؛ لنجد أنّ الشخص قد وصل إلى حدّ اللّاعودة. هذه اللّاعودة مستحيلة في كلّ الأحوال، لكنّها تحوز هنا شكلاً غريباً. تعني هذه الغرابة في واحدةٍ من صورها: أنّ سير هذا الشخص لم يكن كغالب أقرانه، وهو على ذلك يعني: أنّ التعامل معه، وتعامُلَهُ هو معهم، ومع غيرهم؛ لن يكون اعتياديّاً. لاحظوا أنّ اعتياديّاً لا تعني بالضرورة موفّقاً "صحيّاً عند غيرنا"، فقد يكون العكس تماماً، بمعنى أنّ الأكثر صحّة هو ذلك الذي نتحدث عنه لا غيره.

حالة اللّاعودة هذه تحتّم في نتائجها: أنّ التراكم الذي تسبّبت به مراحل التقسيم السابقة؛ صوّرت شخصاً جديداً لم نكن نعرفه من قبل. يعني هذا بالضرورة: أنّ هذا الشخص ذاته تصوّر شخصاً واحداً على الأقل بصورة غير تلك التي تأمّل أن يراه فيها. هنا انتبهوا أنّنا قلنا: "تأمّل". هذا يقودنا إلى الحديث عن الانطباع الأوّل الذي يطبع صورة فوريّة لدى الشخص عمّن يرتبط به بعلاقة ما، مهما كان نوعها أو مستواها، حتى ولو كانت شراءً من بقّالة؛ هذه اللحظة يرى فيها الشخص وجهاً يراه عند الخيبة؛ التي يرى فيها وجهه في عين من رآه أوّل مرّة. نسي بعدها انطباعه الأول، أو ربّما نسياه كلاهما، لكنّه كان حاسماً، "حقيقيّاً".

أخيراً، عليكم أن تعلموا أن صورة الشخص التي تغيّرت عند "صاحب الضربة أو الصدمة" لا تتغيّر وحدها، بل تتغيّر معها الأماكن والتفاصيل المرتبطة بذلك الشخص، وكل ما يمكن أن يشبه تفاصيله ومتعلّقاته، ولو كانت ممّا يكره، وهي أمور لا يمكن لعدٍّ أن يُحصيها. من هنا تبدأ فكرة الثورة عموماً، "الثورة كأصل على الخضوع لسيطرة ما".

ينبغي التذكير بأنّ كلّ مخلوق يتعامل مع هذا النوع من "الغيّبات" رغماً عنه؛ فهو يفعل ذلك على الأقلّ في نومه. النوم واحدة من حالات "غيبوبة الذات"، على أن لا تعني الغيبوبة انفصالاً عن الواقع أو الدنيا، أو أن تعني: أنّها من الخيال أو تُشابهه، على أساس من أنّ الخيال نقيض للواقع؛ الأمر ليس كذلك.

من هنا، راقبوا وأنتم تستغربون كلام مفسّري الأحلام؛ الذين لا نقرّ لهم عملهم هذا، كيف تحيا تفاصيل مناماتكم في داخلكم دون أن تفهموا مرماها؛ إلّا قليلاً، وربّما بعد زمن. قد يقود إلى فهمٍ كهذا "تغييب مرادف"، قد يتّخذ شكل اتخاذ قرارات، يكون الهدف منها الهروب من الراهن، لا تحقيق النتيجة الأولى، التي كانت تهدف إليها خطة السير الأصلية. هذا ينطبق على كلّ آلام النفس، مهما كان مصدرها. هذه الآلام قد تأخذ شكل الحنين والاشتياق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE