26 سبتمبر 2026
عبير الهاجري تكتب: بين القلم والسيف.. قراءة أخرى لتاريخ الخليج

ثمة فارق بين أن نروي التاريخ وأن نقرأه، فدلالته الأعمق لا تكمن في التواريخ والمعارك، بل في اللحظة التي حوّل فيها القرار السياسي القوة إلى دولة، والدولة إلى منظومة.

من هنا تلتقي ثلاث محطات خليجية متباعدة زمنيا في معنى واحد: تأسيس المملكة عام 1932، وقيام دولة الإمارات عام 1971، وتأسيس مجلس التعاون في أبوظبي عام 1981. 

الرابط بينها ليس زمنيًا، بل نهج رحلة حضارة.. ومحطة طور مختلف من سؤال واحد  كيف تُبنى الدولة؟  ثم كيف تُبنى العلاقة بين الدول؟ الأولى بناء بالتوسع والتوحيد، والثانية بناء بالاتحاد الطوعي بين إمارات مستقلة، والثالثة بناء منظومة تجمع دولا مكتملة السيادة.

المملكة  من استرداد الرياض إلى بناء المملكة (1902 – 1932)
استرد الملك عبدالعزيز آل سعود الرياض عام 1902، لكنها لم تكن نهاية الطريق بل بداية مشروع أكبر، فبين الاسترداد وإعلان توحيد المملكة عام 1932 امتدت ثلاثة عقود تحولت فيها الأرض المسيطر عليها إلى كيان سياسي له شرعية ومؤسسات وهوية جامعة، كان السيف حاضرًا في البداية، لكن القلم كان الأداة التي بنت الاستقرار بعده.

وهنا الإمارات.. اتحاد بلا سيف (1971)
على النقيض من نموذج التوسع، قدمت الإمارات نموذجًا آخر.
سبع إمارات اختارت التنازل عن جزء من استقلالها المنفرد لبناء كيان واحد بالمؤسسة أولا.. دستور مؤقت، ومجلس أعلى للاتحاد، وتوزيع واضح للصلاحيات، هذا يثبت أن الخليج جرّب أكثر من طريق واحد لتحويل التعدد إلى وحدة.

أبوظبي..  إرادة  حين أصبحت الجغرافيا فكرة مشتركة (1981)
بعد عقد من قيام الاتحاد، اجتمع قادة الإمارات والمملكة والكويت وقطر والبحرين وعُمان في أبوظبي في 25 مايو 1981، ليعلنوا تأسيس مجلس التعاون على أساس التنسيق والتكامل والترابط، انطلاقا من روابط خاصة ومصير واحد، لم تأت اللحظة في فراغ؛ فالحرب العراقية الإيرانية كانت مشتعلة، وكان التعاون فعلاً استباقيًا، أن تبني الجسر قبل أن تصبح الحاجة إليه أزمة.

وهذه المسيرة لم تُكتب من عاصمة واحدة ؛ فلكل دولة خليجية تجربتها في حماية كيانها وبناء مؤسساتها، والمجلس لم ينشأ ليذيب هذه التجارب في تجربة واحدة، بل ليجعل قوة كل دولة رافدًا  ومستندًا  على منظومة أوسع.. قوة الداخل  في الإمارات.. سهلت  أن  تصبح الحكمة أداة قوة.

في قلب هذه المنظومة، جعلت الإمارات من الحكمة أداة حكم لا مجرد خطاب: القوة الحقيقية لا تحتاج أن تستعرض نفسها، والمرونة ليست تنازلا عن السيادة، فالسهم قد يأتي من بعيد، لكنه لا يصبح خطيرًا إلا إذا وجد شرخًا في الداخل؛ أما حين يكون البناء الداخلي متماسكًا، فإن أغلب الأسهم تفقد أثرها، إنها سيادة تعرف قيمة الصمت بقدر ما تعرف قيمة القرار.

وحقيقية درس عالمي أي ملكية تتكيف، وملكية تسقط.. تفسير عميق
يتضح معنى هذه الحكمة أكثر بالمقارنة العالمية، فبعض الأنظمة الملكية عجزت عن التجدد؛  كما حدث في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر، حين تمسك النظام بامتيازات مغلقة وبنية أثقلتها الديون دون استجابة لمطالب التغيير، فانتهى الأمر بسقوطه عام 1792 عبر ثورة عنيفة. 

في المقابل، ملكيات أخرى كالملكيات الدستورية في أوروبا الشمالية وبريطانيا تكيفت مبكرًا، وحوّلت السلطة تدريجيًا إلى مؤسسات بدل أن تصطدم بالتحول، فبقيت.

الفارق إذن ليس بين ملكية وجمهورية ودولة، بل بين نظام يستوعب التطور فيتحول إلى مصدر استقرار، ونظام يقاومه فيتحول إلى عائق أمام نفسه، وهذا ما يمنح النموذج الخليجي قيمته حين  تصبح الحكمة أداة حكم فعلية، يتحول نظام الحكم من نقطة ضعف محتملة إلى مصدر استقرار طويل الأمد.

نعم بين القلم والسيف اتحاد الخليج
إذا كان السيف قد حسم معارك الأرض، فإن القلم كتب شكل الدولة بعدها، من الرياض 1902 إلى إعلان المملكة 1932، ومن اتحاد الإمارات 1971 إلى مجلس التعاون 1981، يبقى السؤال نفسه، كيف نحمي القرار؟  والإجابة لا تكون بالقوة وحدها، فالقوة بلا حكمة تستنزف نفسها، والحكمة بلا قوة تفقد قدرتها على الحماية.. وهنا نؤكد..

الخليج لم يكن يومًا مجرد جغرافيا تحيط بها المياه، بل تاريخ من دول تعلمت أن البقاء لا تصنعه القوة وحدها، وأن الوحدة لا تحميها البيانات بقدر ما يحميها وعي يعرف قيمة البيت من الداخل، الخليج خلاصة  إصرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE