في الماضي كانت المؤسسات تستطيع أن تبني خططها على قدر معقول من الاستقرار، كان من الممكن أن يضع القائد خطة واضحة، يحدد الموارد والمسؤوليات، ثم يتابع التنفيذ ويقيس النتائج. كانت الخبرة السابقة تمنحه قدرًا كبيرًا من القدرة على التنبؤ بما سيحدث غدًا.
لكن العالم تغيّر.
الأزمات أصبحت أكثر تعقيدًا، والتقنيات تتغير بسرعة، واحتياجات العملاء والموظفين تتبدل، والأسواق مترابطة، والأحداث التي تقع في مكان بعيد قد تصل آثارها إلى مؤسسة في مكان آخر خلال ساعات، وما كان بالأمس استثناءً قد يصبح اليوم جزءًا من الواقع وهنا تظهر الحاجة إلى القيادة التكيفية.
فالقيادة التكيفية لا تعني أن يكون القائد مستعدًا لكل احتمال، فهذا أمر غير ممكن، وإنما تعني أن يكون مستعدًا للتعامل مع ما لا يستطيع التنبؤ به.
وهذه نقطة جوهرية
القائد التقليدي قد يسأل:
ما الخطة التي نحتاج إليها؟
أما القائد التكيفي فيسأل:
ماذا سنفعل إذا لم تعد الخطة التي وضعناها صالحة؟ وكيف سنبني قدرة تجعلنا قادرين على التعامل مع المتغيرات التي لم نتوقعها؟
فالهدف ليس أن نتنبأ بكل شيء، وإنما أن نبني مؤسسة تستطيع التعلم والتكيف والاستمرار عندما يتغير كل شيء.
متى ظهر مصطلح القيادة التكيفية؟
ارتبط مفهوم القيادة التكيفية بصورة أساسية بأعمال الباحث والأستاذ في كلية كينيدي بجامعة هارفارد رونالد هيفتز، الذي طوّر إطارًا للقيادة يركز على كيفية مساعدة الأفراد والجماعات والمؤسسات على التعامل مع التحديات المعقدة التي لا تكفي لحلها الخبرة أو السلطة وحدهما.
ظهر هذا الفكر بوضوح في كتاب هيفتز «القيادة دون إجابات سهلة» عام 1994، ثم تطور في أعمال لاحقة، من بينها كتاب «القيادة على الخط» مع مارتي لينسكي، ثم كتاب «ممارسة القيادة التكيفية» عام 2009 مع لينسكي وألكسندر غراشو. وتصف جامعة هارفارد هذا النهج بأنه تطور على مدى أكثر من أربعة عقود.
ولذلك فالقيادة التكيفية ليست مجرد اتجاه إداري حديث ظهر مع الأزمات المعاصرة، وإنما هي مدرسة فكرية تطورت على مدى عقود، ثم ازدادت أهميتها مع ازدياد التعقيد وعدم اليقين.
وقد أظهرت جائحة كورونا بوضوح الفرق بين المشكلة التي يمكن حلها بخبرة موجودة مسبقًا، وبين الأزمة التي تتطلب من المجتمع والمؤسسات أن يتعلموا أثناء مواجهتها؛ وقد استخدم هيفتز الجائحة مثالًا واضحًا على التحديات التكيفية.
ما القيادة التكيفية؟
يمكن تعريف القيادة التكيفية بأنها:
قدرة القائد والمؤسسة على قراءة المتغيرات، وفهم طبيعة التحدي، والتعلم المستمر، وتعديل السلوك والخطط والموارد استجابة للواقع الجديد، مع الحفاظ على الغاية والقيم الأساسية للمؤسسة.
وهنا نصل إلى فكرة مهمة جدًا:
التكيف لا يعني التخلي عن الأساسيات
بل على العكس؛ كلما تغيرت الظروف، ازدادت الحاجة إلى معرفة ما الذي يمكن تغييره وما الذي لا ينبغي أن يتغير.
يمكن تغيير الخطة، ولكن لا ينبغي أن يتغير الهدف الأساسي دون سبب.
يمكن تغيير طريقة العمل، ولكن ليس بالضرورة القيم التي تحكم العمل.
يمكن تغيير الأدوار، ولكن تبقى المسؤولية والمساءلة.
يمكن تغيير الوسائل، بينما تبقى الغاية.
وهنا تكمن قوة القيادة التكيفية:
مرونة في الوسائل، وثبات في المبادئ.
فالقيادة التكيفية ليست قيادة بلا بوصلة، وإنما هي قيادة تعرف أن البوصلة أهم من الخريطة عندما تتغير الطرق:
التحديات التقنية والتحديات التكيفية.
من أهم أفكار هيفتز التمييز بين التحدي التقني والتحدي التكيفي
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن أحد أكبر أخطاء القيادة هو استخدام حل تقني لمشكلة تكيفية. وتشير مصادر هارفارد إلى أن التحديات التقنية تكون عادة معروفة المشكلة والحل، بينما تتطلب التحديات التكيفية تعلمًا جديدًا وتغييرًا في السلوك أو القيم أو القدرات.
التحدي التقني
هو التحدي الذي نعرفه ونعرف غالبًا كيف نعالجه.
قد يكون صعبًا ومكلفًا ويحتاج إلى خبراء، لكنه لا يتطلب بالضرورة تغييرًا جوهريًا في طريقة تفكير الناس.
مثلا: تعطل جهاز في المستشفى.
وجود خلل في نظام إلكتروني.
نقص في مورد معين.
خطأ في إجراء محدد.
الحل هنا قد يحتاج إلى فني أو خبير أو موارد إضافية أو إجراء معروف.
بمعنى آخر:
المشكلة معروفة، والحل موجود، وما نحتاجه هو التنفيذ الجيد.
أما التحدي التكيفي فهو مختلف.
قد لا تكون المشكلة نفسها واضحة تمامًا، وقد لا يكون الحل معروفًا، وقد يكون الوصول إلى الحل متوقفًا على تغيير سلوك الناس أو طريقة تفكيرهم أو قيمهم أو أدوارهم:
مثلا:
مؤسسة لديها نظام جديد، لكن الموظفين يقاومونه.
المشكلة هنا ليست بالضرورة في النظام؛ فقد تكون في الخوف من فقدان المكانة، أو فقدان الخبرة القديمة، أو الشعور بعدم الأمان، أو عدم الثقة في التغيير.
أو مؤسسة تتراجع إنتاجيتها رغم أن لديها موارد جيدة.
قد لا يكون الحل بتوظيف المزيد من الموظفين، وإنما بإعادة النظر في الثقافة التنظيمية، وطريقة اتخاذ القرار، والتعاون بين الإدارات، ونمط القيادة.
وهنا لا يستطيع القائد أن يقول:
.«أعطوني المشكلة وسأحلها »
لأن الحل ليس موجودًا بالكامل في مكتب القائدبل يجب أن يساعد الناس على اكتشاف الحل وبنائه وتجربته والتعلم منه.
ويمكن تبسيط الفرق هكذا:
التحدي التقني.
التحدي التكيفي.
المشكلة واضحة.
المشكلة قد تكون غير واضحة.
الحل معروف أو يمكن تحديده بالخبرة.
الحل يحتاج إلى تعلم واكتشاف.
يعتمد على الخبراء.
يعتمد على مشاركة أصحاب المصلحة.
يحتاج إلى تنفيذ.
يحتاج إلى تغيير وتعلم.
يمكن للقائد أو الخبير أن يقدم الحل.
لا يستطيع القائد وحده تقديم الحل.
مقاومة التغيير ليست جوهر المشكلة عادة.
المقاومة والخوف وفقدان المألوف قد تكون جزءًا من المشكلة.
لكن الواقع ليس دائمًا أبيض وأسود.
فبعض التحديات تجمع بين الجانب التقني والتكيفي.
قد يحتاج المستشفى مثلًا إلى شراء أجهزة جديدة، وهذا جانب تقني، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تغيير طريقة عمل الموظفين وتعلم مهارات جديدة، وهذا جانب تكيفي.
وهنا لا ينبغي اختيار أحدهما وإهمال الآخر، بل معالجة كل جانب بالطريقة المناسبة.
أمثلة على القيادة التكيفية
مثال أول: التحول الرقمي
قد تقرر مؤسسة الانتقال إلى نظام رقمي جديد.
شراء النظام وتثبيته وتدريب الموظفين عليه جوانب تقنية.
لكن ماذا يحدث إذا قال الموظفون:
«النظام القديم كان أسهل»
أو
«نحن معتادون على الطريقة السابقة»
أو
«هذا النظام سيجعل عملنا أصعب»
هنا لم تعد المشكلة تقنية فقط.
القائد التكيفي لا يكتفي بإصدار التعليمات، بل يحاول فهم مخاوف الناس، ويستمع إلى الموظفين، ويحدد ما الذي يخسرونه من وجهة نظرهم، ويشركهم في التجربة والتحسين، ويمنحهم فرصة للتعلم والتعديل.
مثال ثانٍ: أزمة مفاجئة
تخيل مؤسسة تعرضت لأزمة لم تمر بها من قبل.
ليس أمام القائد دليل جاهز يشرح له ماذا يفعل خطوة بخطوة.
هنا تظهر القيادة التكيفية بوضوح.
القائد لا يتظاهر بأنه يعرف كل شيء.
يحدد الحقائق المتاحة، يميز بين ما يعرفه وما لا يعرفه، يستمع إلى الخبراء، يشكل فريقًا متعدد الخبرات، يضع إجراءات مؤقتة، يراقب النتائج، ثم يعدّل قراراته بناءً على المعلومات الجديدة.
القرار هنا ليس نهاية التفكير، بل بداية دورة جديدة من التعلم.
مثال ثالث: تغيير ثقافة المؤسسة
إذا كانت المؤسسة تعاني من ضعف التعاون بين الإدارات، فإن إصدار تعميم بعنوان «ضرورة التعاون» لن يحل المشكلة قد يكون هناك تنافس على الموارد، أو تضارب في الصلاحيات، أو نظام مكافآت يشجع الإنجاز الفردي على حساب الإنجاز الجماعي.
القائد التكيفي يبحث عن النمط الذي أنتج المشكلة بدلًا من معالجة أعراضها فقط.
مثال رابع: تغير احتياجات العملاء.
إذا تغيرت توقعات العملاء، فقد لا يكون الحل مجرد إطلاق منتج جديد.
ربما تحتاج المؤسسة إلى إعادة التفكير في طريقة فهمها للعميل، وكيف تجمع المعلومات، وكيف تتخذ القرارات، ومدى سرعة انتقال المعلومات بين الإدارات.
وهذا تحول تكيفي؛ لأنه يتطلب أن تتعلم المؤسسة طريقة جديدة في رؤية نفسها والسوق من حولها.