24 أكتوبر 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: الخليج.. وطنٌ واحد تسكنه ستة أوطان

لستُ سياسية، وقد لا أفهم في السياسة الكثير، لكنني إماراتية خليجية، وُلدتُ وعشتُ وأنا أؤمن بأن دول الخليج الست ليست مجرد دول تجمعها حدود جغرافية، أو اتفاقيات ومصالح مشتركة، بل هي وطنٌ خليجي كبير، يتّسع لكل فرد من أبنائه، وشعوبها عائلة واحدة ممتدة، تتشابك جذورها في هذه الأرض الطيبة، مهما تباعدت المسافات وتعددت الأعلام.
فبعض الروابط لا تصنعها الاتفاقيات، بل تصنعها الحياة نفسها.

ما الذي يربطنا نحن الخليجيين؟.
تربطنا أواصر اجتماعية وثقافية أعمق من أن تحيط بها الكلمات؛ تربطنا لهجات متقاربة، وعادات متشابهة، وذاكرة تتناقلها الأجيال، وبيوت تتشابه في دفئها، ومجالس تتشابه في كرمها، وأفراح وأحزان نفهمها دون حاجة إلى كثير من الشرح. تربطنا تفاصيل صغيرة قد تبدو عادية لمن يراها من بعيد، لكنها بالنسبة إلينا خيوط من روح واحدة؛ في ملامحنا، وفي قيمنا، وفي الطريقة التي نستقبل بها ضيفنا، ونكرم بها جارنا، ونحفظ بها مكانة أهلنا.

ويربطنا عمق تاريخي ضارب في هذه الأرض؛ تاريخ عرف البحر والصحراء، وشظف العيش والصبر، والسعي وراء الرزق، والتكاتف في مواجهة الشدائد. قبل أن تتشكل حدود الدول بصورتها الحديثة، كانت بين أهل الخليج طرقٌ للرزق والتجارة، ورحلاتٌ للغوص والسفر، وصلات قرابة ومصاهرة، وحكايات تتناقلها الأجيال. لم تكن الأرض تفصل القلوب بقدر ما كانت تجمعها، ولم تكن المسافات تمنع الناس من الشعور بأنهم أقرباء، حتى إن لم تجمعهم قرابة مباشرة.

يربطنا وعيٌ جمعي بأن مصائرنا متداخلة، وأن ما يمس أحدنا لا يبقى بعيدًا عن الآخرين. نفرح لفرح بعضنا، ونحزن لما يصيب أشقاءنا، ونشعر بأن أمن أي دولة خليجية واستقرارها ليسا شأنًا منفصلًا عن أمن بقية دول الخليج واستقرارها. وقد لا تتطابق آراؤنا في كل شيء، وهذا طبيعي بين الدول والشعوب، لكن اختلاف الرأي لا ينبغي أن يمحو حقيقة الانتماء المشترك.

ثم تأتي الروابط الاستراتيجية والأمنية والدفاعية، لتؤكد أن وحدة المصالح ليست مجرد شعور جميل، بل ضرورة تفرضها طبيعة عالم تتشابك فيه التحديات وتتسارع فيه التحولات. فالتعاون والتنسيق وتبادل الخبرات وتكامل الجهود تمنح دول الخليج قدرة أكبر على حماية استقرارها، وصون سيادتها، والتعامل مع المخاطر، وصناعة مستقبل أكثر أمانًا لأجيالها.

وفي الاقتصاد والتنمية، تتسع مساحة ما يمكن أن نحققه معًا. فالتكامل بين اقتصاداتنا، وتبادل المعرفة والخبرات، وتيسير حركة التجارة والاستثمار، والاستثمار في الإنسان والعلم والابتكار، كلها فرص تجعل إمكاناتنا أكبر من مجموع إمكاناتنا المنفردة. فحين تتعاون الدول، لا تتقاسم الموارد فحسب، بل تتسع آفاقها، وتتضاعف فرص شعوبها، وتصبح أكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بها.

لكن لماذا نحتاج إلى وحدتنا؟
لأن العالم لا ينتظر المترددين، ولأن التحديات الكبرى لا تعترف بصغر المسافات بيننا، ولأن قوة كل دولة خليجية لا تنفصل عن محيطها الذي تنتمي إليه. وحدتنا لا تعني أن نتشابه في كل شيء، أو أن نتخلى عن خصوصية كل دولة وهويتها الوطنية، بل أن ندرك أن اختلافاتنا يمكن أن تثري تجربتنا، وأن استقلال دولنا وسيادتها لا يتعارضان مع تعاونها وتضامنها.

إننا لا نحتاج إلى أن نكون نسخة واحدة، بل إلى أن نحافظ على قلوب تعرف أنها تنتمي إلى جذور واحدة، وعقول تدرك أن التعاون ليس تنازلًا عن الذات، بل استثمار في المستقبل.

وحدتنا مسؤولية 
ولأن ما يجمع دول الخليج من روابط ومصالح ومقومات قوة ليس أمرًا عابرًا، فإن الحفاظ على هذه الوحدة يصبح مسؤولية تتجاوز حدود العاطفة. ففي عالم تتشابك فيه المصالح والصراعات، قد تسعى أطراف معادية إلى إضعاف دول الخليج من خلال تأجيج الخلافات، واستغلال التباينات، وبث الشائعات، وإثارة النعرات بين الشعوب، إدراكًا منها أن المجتمعات المتفرقة أضعف قدرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها. فإضعاف الروابط بين الأشقاء قد يفتح أبوابًا للتدخل والضغط، ويبدد فرص التعاون التي تعود بالخير على الجميع.

وهنا يأتي دور أبناء الخليج؛ لا بالصخب ولا بتبادل الاتهامات، بل بالوعي والحكمة، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، ورفض خطاب الكراهية والإساءة، وعدم السماح للشائعات أو الحملات المضللة بأن تصنع بينهم عداوات لا تعبّر عن حقيقة روابطهم. ويكون ذلك أيضًا بتعزيز الثقة المتبادلة، واحترام سيادة كل دولة وخصوصيتها، والحرص على معالجة الخلافات بالحوار المسؤول، والالتفاف حول المصالح المشتركة. فليس كل اختلاف مؤامرة، وليس كل نقد عداءً، لكن الحكمة تقتضي أن نميّز بين الاختلاف الطبيعي ومحاولات استغلاله لتفريقنا. 

إن حب الخليج لا يعني أن نغض الطرف عن التحديات، بل أن نواجهها بوعي، وأن ندرك أن حماية وحدتنا تبدأ من كلماتنا ومواقفنا، ومن قدرتنا على ألا نكون أدوات في أيدي من يريدون إضعافنا. فالأوطان لا يحميها أبناؤها بالقوة وحدها، بل يحميها أيضًا وعيهم، وتماسكهم، ورفضهم أن تتحول اختلافاتهم إلى جسور يعبر عليها الآخرون نحو تفريقهم.

أكتب هذا لأنني أؤمن بأن الانتماء الخليجي ليس عبارة نرددها في المناسبات، ولا شعارًا نرفعه حين تتفق الظروف؛ إنه مسؤولية في الوعي والسلوك، وفي كلماتنا عن بعضنا، وفي حرصنا على ألا تتحول الاختلافات إلى خصومات، أو تتحول الأصوات العابرة إلى حواجز بين شعوب جمعتها الأرض والتاريخ والذاكرة.

وأتمنى أن يقرأ كلماتي كل خليجي محب لوطنه، مؤمن بأن حب وطنه لا يتعارض مع حبه لأشقائه في الأوطان الخليجية الأخرى، بل يزداد به عمقًا واتساعًا.

أنا إماراتية، أعتز بوطني الإمارات، وأحمل في قلبي محبة لأشقائي الخليجيين، وأؤمن بأن الاعتزاز بالوطن لا يحتاج إلى الانتقاص من الآخرين، وأن الأوطان لا تفقد شيئًا حين تتقارب، بل تكسب حين تتعاون وتتآزر.

ست دول، وست رايات، وست تجارب وطنية، لكن بينها من وشائج التاريخ والإنسان والمصير ما يجعل الخليج أكبر من حدود الجغرافيا.

ورجائي أن تبقى هذه الحقيقة حيّة في نفوسنا، وأن نورثها لأبنائنا لا بوصفها حكاية من الماضي فحسب، بل وعيًا يصنع المستقبل.

فقد نختلف في الرأي، وتتباين طرقنا، وتتعدد أحلامنا، لكننا نظل أبناء أرض واحدة، وامتداد حكاية واحدة، وعائلة كبيرة لا يليق بها إلا أن يحفظ افرادها الود بينهم ، ويصونون روابطها، ويدركون أن ما يجمعهم  أثمن بكثير بكثير  مما قد يفرقهم .

الخليج ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل شعور يسكننا؛ وإذا كانت لكل دولة خليجية روحها ورايتها، فإن للخليج روحًا أوسع، لا تكتمل إلا بلحمة أبنائه جميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE