3 مارس 2026
تحت الأرض.. مدينة ملحية في أعماق بولندا تكشف أسرار 7 قرون من التاريخ

تحت سطح بولندا، يختبئ عالم غير مألوف يأسر الزوار منذ اللحظة الأولى، حيث تمتد الأنفاق العميقة بين جدران ملحية رمادية تمنح المكان طابعًا غامضًا وساحرًا. 

هنا، في منجم فيليتشكا قرب كراكوف، تتحول الزيارة إلى رحلة حسية تجمع بين التاريخ والفن الطبيعي، من لمس الجدران المالحة إلى استنشاق الهواء المشبع بالملح، لتصبح تجربة لا تُنسى.

لا يقتصر المنجم على كونه موقعًا تاريخيًا، بل يمثل مدينة كاملة منحوتة في الملح، أدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1978، واستمر العمل فيه نحو سبعة قرون قبل توقف الإنتاج التجاري عام 1996، محتفظًا بإرث هندسي وثقافي مذهل يمتد على أكثر من 150 ميلاً من الأنفاق المحفورة يدويًا، ويجذب ما يصل إلى 9 آلاف زائر يوميًا.

يمتد المنجم على تسعة مستويات تحت الأرض تصل أعماقها إلى 330 مترًا، ويُتاح للزوار حوالي 2% فقط من هذه المساحة، ما يوفر تجربة ساحرة ومثيرة. 

المسار السياحي الكلاسيكي يمتد أكثر من ميلين ويستغرق نحو ساعتين، بينما يقدم "مسار عمال المناجم" تجربة أكثر مغامرة، حيث يرتدي المشاركون خوذات مزودة بمصابيح ويخوضون رحلة تحت الأرض تستمر ثلاث ساعات.

الممرات المتعرجة تؤدي إلى قاعات منحوتة بالكامل من الصخر الملحي، مزينة بتماثيل ضخمة وثريات ونقوش تاريخية تحاكي حياة العمال. 

اللون الرمادي للجدران ناتج عن الشوائب الطبيعية، إذ يتكون الملح بنسبة تصل إلى 95% من كلوريد الصوديوم، فيما تمنحه المعادن الأخرى لونه المميز. 

تشكل الهاليت، أو ملح الصخور، عبر ملايين السنين نتيجة تبخر المسطحات المائية القديمة، وتعود رواسب فيليتشكا إلى نحو 13.5 مليون سنة عندما دفعت الحركات التكتونية طبقات الملح نحو السطح، لتصبح موردًا اقتصاديًا مهمًا.

بدأ استخراج الملح في أواخر القرن الثالث عشر، ووصل ذروته في عهد الملك كازيمير الثالث، المعروف بـ "كازيمير الكبير"، حيث شكل الملح نحو ثلث دخل الخزانة الملكية وساهم في تمويل أول جامعة بولندية.

الإنتاج السنوي في القرن الخامس عشر بلغ بين 7 و8 آلاف طن، وعمل العمال في ظروف محفوفة بالمخاطر، بما في ذلك إشعال غاز الميثان لتفادي الانفجارات، بينما استُخدمت الخيول لرفع الملح إلى السطح دون رؤية ضوء النهار.

خلال الحرب العالمية الثانية، استخدم المنجم تحت الاحتلال النازي كمصنع لإنتاج مكونات الطائرات، وعمل فيه سجناء قسريون من معسكر بلاشوف القريب. إلا أن الرطوبة وظروف الملح حالت دون استمرار الأنشطة الصناعية، لتبقى هذه الفترة فصلًا قاتمًا في تاريخ المنجم.

من أبرز معالم المنجم اليوم كنيسة القديسة كينغا، قاعة ضخمة منحوتة بالكامل من الملح استغرق إنجازها 67 عامًا واكتملت عام 1964، ولا تزال تُستَخدم للصلوات وحفلات الزفاف. 

تتدلى من سقفها ثريات بلورية، وتزين جدرانها نقوش تحاكي مشاهد من الكتاب المقدس، وترتبط الكنيسة بأسطورة الأميرة كينغا وخاتم خطوبتها، في قصة تمزج بين الإيمان والهوية الوطنية.

تاريخ السياحة في المنجم يعود إلى القرن الثامن عشر، وشهد زيارات لشخصيات بارزة مثل نيكولاس كوبرنيكوس، واليوم، يشمل الموقع أنشطة غير تقليدية من القفز بالحبال إلى منطاد هوائي داخل إحدى القاعات، إضافة إلى منتجع صحي على عمق 450 قدمًا يستفيد من الهواء المشبع بالمعادن، ما يجعله بيئة مثالية لمرضى الحساسية وأمراض الجهاز التنفسي.

رغم توقف التعدين، يواصل أكثر من 380 عامل صيانة المنجم يوميًا، مع التركيز على ضخ المياه وتعزيز الأسقف لضمان سلامة الهيكل الداخلي وتجربة آمنة لآلاف الزوار في هذه المملكة الغامضة المنحوتة بالكامل في الملح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE