4 فبراير 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: مهارة المرونة والقدرة على التكيف

في عالمٍ تتسارع فيه التغيرات، وتتشابك فيه التحديات، لم تعد القوة في الثبات الصلب أو المقاومة العمياء، بل في القدرة على الانحناء دون انكسار، وعلى إعادة التشكّل دون فقدان الجوهر. 

هنا تبرز مهارة المرونة والقدرة على التكيف بوصفهما من أهم مهارات الإنسان المعاصر، ليس فقط للبقاء، بل للنمو، والتعلّم، وصناعة المعنى وسط التحولات المستمرة.

المرونة هي قدرة داخلية عميقة تمكّن الإنسان من الصمود النفسي والفكري أمام الضغوط والأزمات، واستعادة توازنه بعد الصدمات، دون أن يفقد ثقته بذاته أو رؤيته للحياة. 

هي تلك القوة الهادئة التي تجعل الإنسان قادرًا على تقبّل الألم، والتعامل مع الإحباط، والنهوض من جديد بروح أكثر نضجًا، أما القدرة على التكيف فهي مهارة أكثر ارتباطًا بالسلوك الخارجي والاستجابة العملية، وتعني استعداد الفرد لتغيير أساليبه، أو أفكاره، أو طرق عمله بما يتناسب مع الواقع الجديد والظروف المتغيرة. 

المرونة تمنح الإنسان الثبات الداخلي، بينما يمنحه التكيف الحركة الذكية في الخارج؛ الأولى تحمي الروح، والثانية تضمن الاستمرار.

ورغم الترابط الوثيق بين المفهومين، إلا أن الفرق بينهما دقيق وعميق. فالمرونة تُعنى بما يحدث داخل الإنسان عندما يواجه التغيير أو الصدمة: كيف يشعر، وكيف يفكر، وكيف يعيد بناء ذاته. 

أما التكيف فيتجلى في ما يفعله الإنسان بعد ذلك: كيف يغيّر خططه، ويعدّل سلوكه، ويتعلم مهارات جديدة ليواكب الواقع، فقد يكون الإنسان متكيفًا ظاهريًا دون أن يكون مرنًا نفسيًا، فيستنزف داخليًا، وقد يكون مرنًا داخليًا لكنه يفتقر لأدوات التكيف، فيشعر بالسلام دون تقدم، واكتمال الإنسان الحقيقي يتحقق حين تجتمع المرونة مع القدرة على التكيف في انسجام واعٍ.

وتتعزز هاتان المهارتان عبر مجموعة من القدرات الأساسية، في مقدمتها الوعي الذاتي، الذي يمكّن الإنسان من فهم مشاعره ونقاط قوته وضعفه دون إنكار أو قسوة. 

كما تلعب مهارة التفكير الإيجابي الواقعي دورًا مهمًا، ليس بإنكار الصعوبات، بل برؤية الفرص الكامنة داخلها، إدارة المشاعر، وحسن التعامل مع الضغوط، والقدرة على حل المشكلات بمرونة، كلها أدوات جوهرية تدعم هذه المهارة. 

ويضاف إلى ذلك مهارة التعلم المستمر، وتقبّل النقد، والانفتاح على التجربة، وبناء شبكة دعم اجتماعي صحية، لأن الإنسان المرن لا يخجل من طلب المساندة حين يحتاجها.

وتتجلّى أهمية المرونة والقدرة على التكيف بوضوح في حياة الطالب ومسيرته التعليمية، فالطالب المرن لا ينهار أمام الإخفاق، بل يراه تجربة تعليمية، ولا يخشى تغيير أسلوب دراسته إذا لم يحقق النتائج المرجوة.

التكيف يساعده على مواكبة اختلاف طرق التعليم، وتنوع المعلمين، وتغير بيئات التعلم، سواء في التعليم الحضوري أو الرقمي، ومع ازدياد متطلبات المعرفة وتسارعها، يصبح الطالب القادر على التكيف هو الأقدر على الاستمرار، والتعلّم بعمق، وبناء شخصية واثقة لا تربط قيمتها بدرجة أو اختبار.

أما في بيئة العمل، فتتحول المرونة والقدرة على التكيف إلى شرط أساسي للنجاح المهني، فالموظف المرن يتعامل مع التغيير الوظيفي، وضغوط العمل، وتعدد المهام بعقلية متوازنة، ويستثمر التحديات بدل أن ينهزم أمامها، والقدرة على التكيف تمكّنه من تعلّم مهارات جديدة، والتعامل مع التقنيات المتغيرة، والتأقلم مع اختلاف الثقافات والفرق. 

أما القائد، فتتضاعف أهمية هذه المهارة لديه، إذ إن مرونته النفسية تمنحه الحكمة في الأزمات، وتكيفه العملي يمنحه القدرة على اتخاذ قرارات رشيدة، وقيادة فريقه بثقة وسط الغموض، فالقائد المرن لا يفرض الجمود، بل يصنع بيئة عمل آمنة تشجع الابتكار، وتحترم الاختلاف، وتحتوي الفشل بوصفه خطوة نحو النجاح.

وفي الأسرة والمجتمع، تظهر هذه المهارة كعامل أساسي للاستقرار والتماسك، فالأسرة التي تتحلى بالمرونة قادرة على تجاوز الأزمات، والتغيرات الاقتصادية، والتحديات التربوية بروح متعاونة متفهمة، والقدرة على التكيف تساعد أفرادها على التعامل مع اختلاف الأجيال، وتغير الأدوار، ومتطلبات الحياة المتجددة دون صدام أو تفكك. 

وعلى مستوى المجتمع، تخلق هذه المهارة أفرادًا أكثر وعيًا، أقل تطرفًا، وأكثر قدرة على التعايش، وقبول التنوع، وبناء علاقات صحية قائمة على الفهم لا الصراع.

إن المرونة والقدرة على التكيف ليستا ضعفًا ولا تنازلًا، بل هما قمة القوة الإنسانية الواعية، قوة تعرف متى تثبت، ومتى تتغير، ومتى تصبر، ومتى تتحرك، وفي عالم لا يثبت على حال، يبقى الإنسان المرن المتكيف هو الأقدر على حفظ إنسانيته، وتحقيق ذاته، وصناعة مستقبلٍ أكثر اتزانًا ومعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE