4 فبراير 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: مهارة المتابعة والمراجعة والتقييم

تعدّ مهارة المتابعة والمراجعة والتقييم من أكثر المهارات حيوية في مسيرة الإنسان العملية والحياتية، فهي البوصلة التي تُبقي الجهد في مساره الصحيح، وتمنع الانحراف قبل أن يتحول إلى خسارة، وتحوّل التجربة إلى معرفة، والعمل إلى أثر، والنجاح إلى إنجاز مستدام، فليس كافيًا أن نخطط ونعمل ونبذل، بل الأهم أن نتوقف بين الحين والآخر لننظر بوعي: أين نحن الآن؟ ماذا تحقق؟ ماذا تعثّر؟ ولماذا؟.

المتابعة في جوهرها هي الحضور الواعي والمستمر لمسار العمل، وهي المراقبة اليقظة لما يجري أثناء التنفيذ، دون تسلط أو تدخل مفرط، بل بنية الدعم والتوجيه المبكر. إنها عملية استباقية تمنع تراكم الأخطاء، وتكشف الانحرافات الصغيرة قبل أن تتضخم، وتمنح الفريق شعورًا بالأمان والاهتمام. فالمتابعة ليست تفتيشًا ولا تشكيكًا، بل رسالة غير معلنة تقول: أنا معكم، أرى الجهد، وأهتم بالنتائج.

أما المراجعة فهي لحظة التوقف العاقل بعد مرحلة من العمل، حيث يُعاد النظر فيما تم إنجازه، وتُقارن النتائج بالخطة، وتُفكك القرارات، وتُفهم الأسباب. المراجعة أعمق من المتابعة؛ فهي لا تسأل فقط: ماذا حدث؟ بل لماذا حدث؟ وكيف كان يمكن أن يكون أفضل؟ وهي مساحة للتعلّم الصادق، لا لإلقاء اللوم، ولا لتبرير التقصير، بل لاستخلاص الدروس وتحسين المسار.

ويأتي التقييم بوصفه الحكم الموضوعي العادل على الأداء والنتائج، باستخدام معايير واضحة ومعلنة، بعيدًا عن الأهواء والانطباعات الشخصية. التقييم يحدد مستوى النجاح، ويقيس الأثر، ويكشف الفجوة بين الواقع والمأمول. ومن دون تقييم حقيقي، يفقد الإنجاز معناه، ويضيع التطور بين شعور زائف بالرضا أو قسوة غير منصفة في النقد.

وتقوم المتابعة والمراجعة والتقييم على مكونات أساسية لا تستقيم دونها؛ في مقدمتها وضوح الأهداف والمعايير، فالغموض يفسد أي محاولة للقياس. يلي ذلك توفر البيانات والمعلومات الدقيقة، والقدرة على التحليل، ووجود تغذية راجعة بنّاءة تُقدَّم في الوقت المناسب، إضافة إلى ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الخطأ فرصة للتعلم لا وصمة للفشل، وبأن المحاسبة عدل لا عقاب.

وتتم هذه المهارة بفاعلية حين تُمارس كعملية مستمرة لا كحدث موسمي، تبدأ منذ لحظة التخطيط، وترافق التنفيذ خطوة بخطوة، ثم تختتم بتقييم شامل يعاد ضخه في التخطيط من جديد، وهي تحتاج إلى توازن دقيق بين الحزم والمرونة، وبين المتابعة الدقيقة ومنح الثقة، حتى لا تتحول إلى رقابة خانقة أو إهمال مضر.

وتنعكس هذه المهارة بوضوح على القائد، إذ تمنحه رؤية شاملة، وتمكّنه من اتخاذ قرارات مبنية على الواقع لا التوقعات، وتزيد من مصداقيته وعدالته أمام فريقه، فالقائد الذي يُحسن المتابعة والمراجعة والتقييم هو قائد يتعلم باستمرار، ويقود بثبات، ويعالج الخلل قبل تفاقمه، ويحتفي بالنجاح بوعي.

أما الموظف، فتمنحه هذه المهارة وضوحًا في التوقعات، وعدالة في التقدير، وفرصة حقيقية للنمو والتطور، فحين يعرف الموظف أن أداءه يُتابع ويُراجع ويُقيّم بمعايير واضحة، يشعر بالمسؤولية والانتماء، ويتحول العمل من واجب ثقيل إلى مساحة للإنجاز والتحسين الذاتي.

وفي بيئة العمل والمشاريع، تُعدّ المتابعة والمراجعة والتقييم صمام أمان يحمي الموارد، ويضمن جودة المخرجات، ويرفع كفاءة الأداء، ويقلل الهدر في الوقت والجهد والمال، فالمشاريع التي تُدار دون تقييم حقيقي قد تتحرك كثيرًا لكنها لا تصل، بينما المشاريع التي تُراجع وتُقوَّم بانتظام تتقدم بثقة حتى في أصعب الظروف.

ولا تقف أهمية هذه المهارة عند حدود العمل، بل تمتد إلى الحياة العامة بكل تفاصيلها. ففي الأسرة، تعني المتابعة الاهتمام، والمراجعة الحوار، والتقييم التربية الواعية التي تقوم على التقويم لا القسوة. وهي تساعد الأهل على توجيه الأبناء، وتصحيح السلوك، وتعزيز القيم، وبناء شخصية متزنة تعرف أن التقدم يحتاج إلى وعي ومحاسبة ذاتية.

أما على مستوى المجتمع، فإن ثقافة المتابعة والمراجعة والتقييم تصنع مجتمعات ناضجة، لا تكرر أخطاءها، ولا تُقدّس التجربة لمجرد قِدمها، بل تطورها وتحسنها. إنها ثقافة تحترم الوقت، وتُعلي قيمة الإنجاز، وتربط بين المسؤولية والنتائج، وتفتح أبواب الإصلاح المستمر.

وهكذا، تصبح مهارة المتابعة والمراجعة والتقييم ليست مجرد أداة إدارية، بل أسلوب حياة، ووعيًا ناضجًا، وطريقًا آمنًا نحو النجاح المستدام، في العمل، وفي القيادة، وفي الإنسان نفسه. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE