5 مارس 2026
عبير الهاجري تكتب: التاريخ.. مهاراتٌ مؤجلة لا ذاكرة مستهلكة

في قراءة التاريخ، ثمة خيط رفيع يفصل بين شعوب تستهلك ماضيها وأخرى تصنعه، فالتاريخ حين يُقرأ بمنطق الاحتفاء وحده، يتحول إلى جرعات مؤقتة من السرد تنتهي بانتهاء مفعول المناسبة، أما حين يُقرأ بمنطق الصناعة، فإنه يتجاوز الذاكرة إلى النهج، ويتحول من حدث عابر إلى مسار حضاري مستدام، يطبق نموذجًا للاستمرارية.

لقد شكّل “مهرجان بريطانيا 1951” درسًا بالغ الدلالة؛ كان محاولة لاستعادة الثقة بعد دمار الحروب، ونبضًا وطنيًا أراد بعث الأمل، ولحظته الزمنية فارقة، إذ إنها محاولة لاستعادة الثقة، لكنها اختلفت معالمها، فأصبحت مثقلة ومسؤولية دولية، وبقيت الذكرى شاهدة على طموح يتوجب الالتزام به، وإصرار يتحول إلى صناعة مستدامة، وإن اختلفت سهام الزمن وتاريخه.

في المقابل، يعيد النموذج الإماراتي المعاصر صياغة مفهوم “المنارة”. فالمنارات هنا لا تُشيد بوصفها منصات للتفاخر، بل تُبنى كسجلات حية لمواقف وطنية واعية، من قصر الحصن في أبوظبي، مرورًا بالإمارات السبع، وصولًا إلى ريادة الاستدامة واتخاذها عاصمة للفعل والحضور، تتجسد المنارة كفكرة تعمل، لا كصورة تعرض الذكاء؛ فالشعارات تدير الأزمة لتبقى رؤية واستراتيجية، أما العدل والصناعة فيحلان الأزمة لنعبر ونتجاوز، إذ إن الإدارة والإرادة بناء من مصنفات قوة التاريخ.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الحضارات اليوم لا يكمن في إنكار القيم أو الجهل بها أو تخطيها، بل في تفكيكها وتحويلها إلى خطابات مجزأة، تستخدم لإدارة التحديات بدل حلها، وهنا يبرز العدل بوصفه الميزان الحاسم، فالتحول لا يصنعه ضجيج الشعارات، بل المصداقية في التنفيذ، والشرف في الفعل، وفتح الأبواب التي أغلقت بمنطق التكيف المؤقت لتأخر خريطة الرؤية القادمة، وهذا عكس ما نعمل من أجله.

أمام “المفتاح المفقود” في زحام العالم المعاصر، يُعاد اليوم داخل الميدان الرقمي، الذي لا يجامل أحدًا، هناك، حيث تلتقي حداثة التكنولوجيا بأصالة الجذور، يصبح الإنسان المتصالح مع تاريخه قادرًا على تحويل العمارة من قوالب صامتة إلى رسائل حضارية تنبض بعقل الصناعة وروح الإنسان.

الخلاصة المكثفة هنا أن المنارات التي تشيدها الإمارات اليوم ليست مشاريع معمارية فحسب، بل نهج رحلة حضارة لا تتوقف، رحلة ترفض الاستهلاك الإنساني المؤقت، وتختار الاستثمار في صناعة الأمل كفعل يومي مستدام، لتبقى هذه الأرض منارة تُضاء بالحق والعدل والمصداقية.

لماذا هذا المقال اليوم؟
لأنه دعوة لإعادة قيادة الفكر نحو التاريخ؛ لا بوصفه صفحات مبجلة جامدة، بل مهارات مؤجلة آن الأوان لتفعيلها بإشراف العصر.

هذا المقال ليس مجرد رصد لتجربة، بل بيان فكري يجمع شتات الزمن، من "مهرجان بريطانيا" بعد المعاناة، إلى "منارات الإمارات" بوصفها نموذجًا للتأثير والإيجابية وصناعة قوة للأمم.

يعتقد البعض أن تداول سياسات التاريخ وتحويله إلى محرك يومي قد أصبح نهجًا يُدرس بذاته، غير أن الواقع في قلمي لا يميل إلى هذا الاتجاه البارد، ولا إلى مسارات تُقاد برياح عابرة أو مواصفات تنشط على السطح فقط.

بل هي وجهة تسير بخطوات ثابتة، تتجاوز ضجيج الاتجاهات، وتقف فوق تقلباتها، لأنها تنطلق من عمق الفكرة لا من وهجها المؤقت، تبحث عن الجودة والجوهر، ليس فقط اللمعة المبهرة.

فاللبنات الأولى ليست شعارات ولا أدوات ترويج، بل بذور وطنية مغروسة في سيادة التطوير، نابعة من ذات الكتاب الشامل؛ ذلك الذي لا يُجزّئ التاريخ، ولا يستهلكه، بل يُقرأ كوحدة متكاملة تصنع الحاضر وتؤسس للمستقبل. نؤمن دومًا بالحياة الواقعية وما تستحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE