13 مارس 2026
د. عماد يوسف خورشيد يكتب: لا يضير العدالة تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها إدانة بريء

بات التوجه في أغلب التشريعات والقضاء والفقه الجنائي في الدول العربية والأجنبية نحو جعل "مبدأ المشروعية الإجرائية الجنائية" نبراسًا للمحاكمات، لما يحمله في مكنونه من حصانة للحقوق والحريات التي التزمت بها الإنسانية جمعاء، والتي يلاحظ تجليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ودساتير الدول الديمقراطية، والقوانين الجنائية ومبادئ الإثبات الجنائي، ويُلزم كل ما تقدم الشخص القائم بالإجراء بأن يجعل الإجراء موسومًا بالمشروعية الإجرائية في كافة مراحل إجراءات الدعوى الجزائية.

وفي حال عدم مراعاة ما تقدم، فإن الإجراء قد يخرج عن الثوابت أعلاه، بمعنى الشطط عن الموازين التي كان المفترض أن يضعها القائم بالإجراء والمحكمة نصب أعينهم. ففي هذه الحالة، لا يضير العدالة تبرئة مذنب بقدر ما تؤذيها إدانة بريء، والتي نرتئي توضيحها على النحو الآتي:

أولًا: قيمة العدالة
العدالة هي قيمة قانونية تتجلى في الإجراء المتخذ من قبل الموكلين بإنفاذ القانون في مكافحة الجريمة حماية لحقوق جميع من تشملهم الإجراءات في الدعوى الجزائية. بمعنى أن العدالة تتزامن مع كل إجراء من إجراءات الدعوى، من التبليغ، والاستقدام، وأمر القبض، وسماع الشهود، وإجراءات انتداب الخبراء وقبول تقاريرهم، واعتراف المتهم، ووزن الأدلة من قبل المحكمة، وإصدار الحكم وتنفيذه.

فضلًا عن ذلك، فإن حماية قيمة العدالة صون لمبدأ قرينة البراءة الذي جُبل عليه الإنسان، وهي ما تؤكد عليه الاتفاقيات الدولية ودساتير الدول الديمقراطية والضمير الإنساني.

وبالتالي، فإن القاضي الذي يخطئ أو يتجاهل الخطأ في إجراءات تبرئة المتهم المذنب لا يضير العدالة بقدر ما يؤذيها الخطأ في إجراءات معاقبة المتهم البريء. ويجد هذا المبدأ أساسه في حديث النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "فإن الإمام إذا أخطأ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

ثانيًا: تجلّي العدالة
بناءً على ما تقدم، تتجلى قيمة العدالة على أرض الواقع في: إحاطة المتهم بالتهمة الموجهة ضده، وإبلاغه بالدليل المستخدم ضده، وحقه في دحضه بأدلة أخرى، والاستعانة بمحامٍ، والالتزام بتطبيق مبادئ الإثبات الجنائي ونبراسها قرينة البراءة، واحترام مخرجاتها، واحترام مبدأ حق المتهم في الصمت، وحقه في تفسير الشك لصالحه، وحقه في محاكمة علنية منصفة، وحقه في استجواب الشهود، وحقه في الطعن بالحكم الصادر بحقه.

وتأسيسًا على ما تقدم، فإن العدالة تعد ميدان حماية الحقوق والحريات، وبالتالي لا تُضار وهي قيمة عليا في المجتمع عندما يتم تبرئة مذنب لعدم الحصول على الدليل بشكل مشروع، أو إذا كانت الأدلة المقدمة أمام القضاء مشوبة بالشك. لكن العدالة تتأذى عندما يتم اتخاذ إجراءات باسم القانون وهي مخالفة لكل القيم الإنسانية، وصولًا إلى اتهام وإدانة شخص بريء.

ثالثًا: ضرورة مراعاة العدالة الإجرائية
التوجه الحديث يؤكد أهمية العدالة الإجرائية الجنائية بقدر أهمية العدالة الموضوعية الجنائية. ويظهر ذلك من خلال استبعاد الدليل المتحصل عليه بطريقة غير مشروعة، باعتبار أن القانون يقوم بحماية القيم، ويتجلى ذلك في الأشخاص الذين يطبقون القانون. وبالتالي، لا يتم قبول الدليل الناتج عنهم إذا كان مخالفًا للقانون والقيم والأخلاق الفاضلة.

ويتم تطبيق ذلك من خلال إفساح المجال أمام السادة المحامين لتقديم دفوعهم، والطعن بالإجراءات التي تثبت مخالفتها للقانون والقيم الإنسانية. وفضلًا عن ذلك، تُحرك المحكمة من تلقاء نفسها بعدم قبول الإجراء المتحصل بطريقة غير مشروعة.

رابعًا: نتيجة تأذي العدالة
الإحساس بانتهاك العدالة يؤذي ضمير المجتمع الإنساني، ويتجلى بوضوح في تجربة الفرد الذي خضع لمحاكمة غير عادلة. هذا الأمر يقوض ثقة الجمهور في نزاهة القضاء الجنائي ويهز صورته، وقد يدفع الأفراد المتنازعين إلى استيفاء حقوقهم بأنفسهم، متجاوزين سلطة القضاء، مما يفضي إلى حالة من الفوضى المجتمعية. فالإساءة إلى العدالة هي مساس بكرامة الإنسان.

ولدرء هذه التداعيات السلبية، يتعين حماية حق المتهم في الطعن بالأحكام أمام محكمة النقض، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية بكفاءة عالية.

خامسًا: الخاتمة
تتأثر العدالة الجنائية سلبًا إذا ما جرى الحصول على الأدلة بإجراءات تنتهك كرامة الإنسان، أو حريته الشخصية، أو حقه في الخصوصية. وفضلًا عن ذلك، فإن تعارض إجراءات الحصول على الأدلة مع القيم الاجتماعية الراسخة في المجتمع، وتجاهل قواعد الإثبات الجنائي في جميع إجراءات الدعوى والمحاكمات، يمثل إخلالًا جسيمًا بقيمة العدالة.

وهذا يستلزم حمايتها من قبل السلطة القضائية باعتبارها الميدان الحيوي لحماية الحقوق والحريات الأساسية للناس.

نبذة عن الكاتب
الدكتور عماد يوسف خورشيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد، بالجامعة التقنية الشمالية/ العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE