25 مارس 2026
د. عماد يوسف خورشيد: التعريف بالقيم والقانون الجنائي – المقالة الأولى من سلسلة "القيم والقانون الجنائي"

تعمل القيم في فكر الإنسان كمنظم لضبط عمل الغرائز في النفس التي جُبل عليها الإنسان، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ومن خلال الاختلاط مع بعضهم قد تتضارب المصالح، ويتدخل القيم الإنسانية لتجنب المشاكل والجرائم.

وفي حال عدم الالتزام بقيم المجتمع، يتحرك قانون العقوبات على حمل أفراد المجتمع على احترامها، من خلال قواعد قانونية آمرة ملزمة، وفي حال مخالفتها تُفرض عقوبة على المخالف لردعه عن ارتكاب ذات الفعل في المستقبل، وردع المجتمع من خلال إرسال رسالة لهم بأن كل من يرتكب هذا الفعل يتعرض إلى ذات العقوبة. وبمعنى آخر، إذا كان الشخص حاملاً للقيم من خلال التربية الصحيحة، فإن قانون العقوبات لا يتحرك باتجاهه.

وبناءً على ما تقدم، نسعى في هذه السلسلة إلى بيان القيم الأساسية التي توجه سلوك الإنسان، وبيان دور القانون الجنائي في إسباغ الحماية عليه، والتي نبتدئها بتعريف القيم والأخلاق والقانون الجنائي، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: تعريف القيم 
يُعرّف القيم في اللغة العربية بأنها: "الثبات والاستقرار، وكل جيد وما له قيمة ممتازة، وهي الدالة على الفضائل الدينية والخُلُقية والاجتماعية".

أما معنى القيم في الاصطلاح: فهي المثل والقواعد المستحسنة بالفطرة والعقل والشرع، والتي تقوم عليها الحياة الإنسانية، متميزة بها عن الحياة الحيوانية، ويمكن القول إنها القوانين والمحركات الداخلية الصامتة التي تعمل في سكينة بدون ضجيج وبلا كلل ولا ملل؛ لتصوغ ضميرًا حيًا. ومن أمثلة القيم: الصدق، الأمانة، الاحترام، العدالة، العدل، الآداب العامة، الحياء… إلخ.

ثانيًا: تعريف القانون الجنائي 
يمكن تعريف القانون الجنائي بأنه: مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد الأفعال التي تعد جرائم وتفرض على مقترفها العقوبة المقررة لها، وذلك من خلال السلطة القضائية المتمثلة في المحاكم والتي تعمل وفق قواعد قانونية تضمن الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. فهو يتضمن قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية (قانون الإجراءات الجزائية).

ويهدف القانونان إلى حماية المصالح الاجتماعية العامة والخاصة، حيث يحدد قانون العقوبات الأفعال المجرَّمة لحماية قيم المجتمع وأمنه واستقراره، ويأتي دور القانون الإجرائي لتطبيق قانون العقوبات عمليًا، مع تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة وضمان الحقوق والحريات الأساسية للأفراد من قبل المحاكم.

ثالثًا: تعريف الأخلاق 
من خلال الاطلاع على معاجم اللغة؛ لاحظنا أن الخُلُق: (اسم). جمعه: أخلاق. الخُلُق: حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر. وهناك: سَيِّئ الخُلُق/ ضيِّق الخُلُق: صاحب خلق رديء منحط. ووَدَاعةُ الخُلُق: لينُه ودماثتُه.

وعُرِّفت الأخلاق في الاصطلاح بأنها: قوة راسخة في الإرادة توجه سلوك الإنسان إلى ما هو خير أو شر. والخُلُق الحسن هو: قواعد إلزامية تتصل بالواجب عند الذات في شأن التعامل مع الغير خارج ميدان التبادلات. فهو الجسر النبيل بين الفرد والمجتمع من خلال العطاء المجرد عن الغرض للغير. (د. عزت قرني، أصول الأخلاق، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2018، ص75، 425).

رابعًا: العلاقة بين القيم والأخلاق والقانون الجنائي 
تبين فيما سبق أن القيم هي الفكر المستقر في ثوابت المجتمع أو الإنسانية، بمعنى أنه النموذج المعرفي الكلي في توجيه سلوك الإنسان للالتزام به لمقاصد إنسانية عليا لاستقرار التعاملات بين الناس، ويظهر تطبيق ما تقدم في الأخلاق الحسنة.

أما الأخلاق: فهي السلوك العملي للقيم أعلاه، بمعنى تحويل معنى القيم المترسخ في الفكر إلى تطبيق واقعي عند التعامل مع الناس، ومثاله: أن الشخص يعلم أن هناك قيمة الاحترام ويعلم جوانبها الإيجابية فيحولها إلى واقعه اليومي. وكذلك الأمانة، عندما يؤتمن على أي شيء أو أمر، يستحضر الأمانة ويكون تطبيقها على الواقع من خلال إرجاع الأمانة إلى أصحابها.

ويأتي القانون الجنائي تحديدًا في قانون العقوبات، والذي وُجد في الأساس لحماية المصالح العامة والخاصة ومنها قيم المجتمع، ففي أغلب تشريعات الدول تم تجريم فعل خيانة الأمانة، وغيرها من القيم الأساسية في المجتمع. وهو ما سنتناوله وغيره من القيم في مقالات قادمة إن شاء الله.

خامسًا: الخاتمة 
لقد تجلّى الدور المحوري للقيم والأخلاق الحسنة في تهذيب السلوك وتنظيم عمل الغرائز، وهو ما يستدعي من كل مثقف ومربٍّ وإعلامي ورجل قانون، ومن جميع المؤسسات الحكومية والخاصة، العمل على ترسيخ هذه القيم وإبراز نماذج من الأشخاص في الواقع يطبّقونها، سعيًا للحد من المشكلات والجرائم، ويكون ذلك إجراءً وقائيًا لتجنب معاقبة المخالفين للقيم في المجتمع قدر الإمكان.

نبذة عن الكاتب
الدكتور عماد يوسف خورشيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد بالجامعة التقنية الشمالية / العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE