25 مارس 2026
د. علي النعيمي يكتب: الإمارات بُنيت للحفاظ على نجاحها تحت الضغط

تمر في حياة الأمم لحظات لا يمكن التعامل معها كاختبارات عابرة، إنها لحظات فارقة تعيد ضبط المعايير وتجبر الدولة على إعادة تعريف نفسها، وفي مثل هذه الأوقات، لا يكون السؤال الحقيقي هو كيفية الصمود، بل كيفية الارتقاء بنقاط القوة الحالية إلى مستوى أعلى من التأثير.

ومن هذا المنطلق، فإن تصريح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة بأن الإمارات ستخرج أقوى، ليس مجرد رسالة طمأنة، بل هو انعكاس دقيق لشخصية البلاد؛ فهي دولة لا تنتظر الأحداث لتقوم برد فعل، بل هي دولة تجدد وتعزز قوتها في كل مرة توضع فيها قيد الاختبار.

هذه ليست مجرد ملاحظة بلاغية، فمسيرة دولة الإمارات توضح جلياً أنها لم تُصمم قط لتنجح فقط في ظل الظروف المواتية؛ بل بُنيت لاستدامة النجاح تحت الضغط، فالتحديات، بغض النظر عن طبيعتها، لا تزعزع استقرارها، بل تكشف عن عمق الاستعداد ونضج مؤسساتها.

هذا الفارق في غاية الأهمية، فبعض الدول تأخذها الأزمات على حين غرة وتركز على الاحتواء، بينما تتوقع دول أخرى الاضطرابات وتستغلها كفرصة لإعادة تنظيم صفوفها على مستوى أعلى، ودولة الإمارات، بحكم خبرتها وتصميمها، تنتمي بكل تأكيد إلى الفئة الثانية.

إن أولئك الذين يفترضون أنه يمكن استغلال انفتاح البلاد يسيئون فهم أسسها، فالانفتاح الاقتصادي، والتلاحم المجتمعي، والمشاركة العالمية ليست نقاط ضعف، بل هي أصول استراتيجية تُدار ضمن إطار سيادي متماسك، والانفتاح هنا لا يأتي على حساب الأمن، بل يعمل جنباً إلى جنب معه ضمن توازن دقيق يدرك متى ينخرط ويتفاعل، ومتى يتصرف بحزم.

وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الإمارات ستتأثر، بل كيف ستستغل هذه اللحظة للمضي قدمًا، فالدولة التي تمتلك مثل هذه القدرات المتراكمة لا تبدأ من الصفر مع كل اختبار، بل تفّعل ما بنته وتواصل البناء للمستقبل.

القوة في دولة الإمارات اليوم ليست أحادية البعد، ولا تقتصر على القوة الاقتصادية أو الاستقرار السياسي فحسب، بل هي نسيج متكامل يتألف من: 
* اقتصاد مندمج عالميًا
* قدرات دفاعية متطورة.
* شبكة واسعة من الشراكات الدولية.
* مكانة تضع الإمارات في صميم بنية الاستقرار العالمي، لا على هوامشه.

فلم تعد الإمارات مجرد رقعة جغرافية، بل أصبحت عقدة حاسمة في التجارة العالمية، وتدفقات الاستثمار، وسلاسل التوريد، وأي اضطراب يؤثر عليها يحمل تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من حدودها.

ومع ذلك، لعل العنصر الأكثر حسماً هو الأقل وضوحًا، هو الثقة بين الدولة ومجتمعها، والذي يمنح المواطنين الثقة، والمقيمين الاستقرار، والمستثمرين اليقين، والشركاء الوضوح، هذه الثقة ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة سجل حافل بالثبات تحت الضغط، والتمسك بالمبادئ في أوقات المحن.

لذا، فإن القول بأن الإمارات ستخرج أقوى ليس كلاماً مجرداً، بل له دلالات واضحة:
1. تطور الجاهزية الأمنية: سيستمر التطور في هذا الجانب ليس كاستجابة مؤقتة، بل كجزء من عملية مستمرة تعزز الردع والسيطرة الاستراتيجية.

2. زيادة الجاذبية الاقتصادية: سيصبح الاقتصاد أكثر جاذبية مع استمرار إدارة المخاطر بثبات وعمق مؤسسي.

فمنذ أواخر فبراير، ظلت التدفقات المالية نشطة واستمرت العمليات في القطاعات الرئيسية بسلاسة، مما يعكس سيولة قوية ودور الإمارات المركزي في التجارة والتمويل الإقليمي، هذه المرونة تستمد قوتها من التنوع، والوضوح التنظيمي، والاندماج العالمي العميق.

ورغم التعرض للتقلبات الإقليمية، أظهرت الإمارات قدرة واضحة على احتواء التداعيات الممتدة مع الحفاظ على الزخم، في البيئات غير المستقرة، تتجه رؤوس الأموال نحو الأنظمة التي تثبت كفاءتها تحت الضغط وتتوسع من خلاله.

3. تنامي الثقل السياسي: سيزداد الثقل السياسي للبلاد، فالدول التي تتنقل عبر الأزمات بثقة وتوازن لا تفقد أهميتها، بل تكتسب المزيد منها.

وعلاوة على ذلك، على الصعيد الدولي، يعكس حجم التفاعل والدعم الذي تتلقاه الإمارات ما هو أكثر من مجرد دبلوماسية روتينية، إنه إشارة إلى الاعتراف بدور البلاد كركيزة للاستقرار؛ فاستهدافها لا يعني مواجهة دولة منفردة، بل مواجهة شبكة من المصالح المترابطة.

وعلى الصعيد المحلي، تعمق مثل هذه اللحظات الوعي العام، فهي ترسخ معنى الاستقرار، وتقوي الالتزام بالحفاظ عليه، وتعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة في حماية المكتسبات الوطنية.

إن ما نشهده هو دولة تجاوزت المقاييس التقليدية للنجاح، فلم تعد الإمارات مجرد قصة نجاح، بل أصبحت نموذجاً لكيفية حماية النجاح وتطويره واستثماره تحت وطأة الضغوط.

ولهذا السبب، فإن القول بأن الإمارات ستخرج أقوى هو استنتاج مستمد من تجربة معيشة، فهو يدرك أن القوة الحقيقية لا تُعرّف فقط بما تمتلكه الدولة، بل بما تصبح عليه بعد كل اختبار.

إن إدارة اللحظة الراهنة لا تقتصر على معالجة التحديات الفورية، بل تمتد لتشكيل ملامح المرحلة المقبلة، وفق نهج "اليوم التالي" الذي لا يسعى فقط إلى احتواء الاضطرابات، بل إلى تقليل احتمالية تكرارها، وفي هذا السياق، فإن دولة الإمارات لا تكتفي بمجرد الاستجابة للضغوط، بل تعيد تشكيل بيئتها وتضع إيقاعاً جديداً للتفاعل.

ففي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، يظل الفارق واضحاً؛ فبعض الدول تسعى لمجرد النجاة من الأزمات، بينما تحولها دول أخرى إلى نقاط انطلاق، ودولة الإمارات، بكل المقاييس، تنتمي إلى الفئة الأخيرة.

------------------

مقال رأي 
للدكتور علي النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، بصحيفة "ذا ناشيونال" 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE