حتمًا أنّكم سمعتم يوماً ما من يقول لكم: "روحو اقرأو كتب"، "شوفو فلان شو حكى"، "يقول فلان كذا"... إلخ، وهو يصنّف لكم سلوكاً معيّناً ضمن طائفة معيّنة، ليس مهمّاً هذا التصنيف بقدر أهمية الغاية منه؛ التي تهدف، في أحيانها الغالبة، إلى تمرير رغبةٍ في اتّباعكم سلوكاً ما أو الإحجام عنه، بغض النظر عن دافع هذه الرغبة؛ أكان حبّاً، كرهاً، حسداً، نكايةً... إلخ، وفي بعض هذه الأحيان، يستعرض صاحب القول خبرته ودرايته في مجابهة موقف ما؛ لذات الغايات.
في هذه الظروف تسيطر الحالة النفسيّة على المشهد، فمن يصل إلى مرحلة كهذه؛ تعرّض حتماً لحادثٍ نفسي - بغض النظر عن طبيعته - الناس عادة لا يواجهون هذه الحوادث منفردين، يسعون - وهنا الخطر - إلى الاستعانة بغيرهم، سيّما من يصنّفونهم بـ"الخبراء"، هذه السيطرة النفسيّة لا تقف عند حدّ حدوث المشكلة؛ بل تتبعها حتى النهاية، التي قد لا تكون "حلّ المشكلة"، بل مضاعفة آثارها.
الناس اعتادوا السكون و"الأنس" إذا ما اجتمعوا مع غيرهم، لمجرّد حصول هذا الاجتماع، الذي تغيّر شكله مع تغيّر نمط الحياة وتطوّرها، فقد يتمّ باتّصال هاتفيّ أو ما شابه، لكنّ الناس "تجاهلوا" أُنسهم الذاتي الذي وُجد قبل ولادتهم، وهو عالمهم الذي يحيط بهم دون أن يروه، ليست هذه أحجيات، ولا حديث عن فكرة "الجن" التي نخصّها بنظرية خاصّة لا مجال لشرحها الآن.
إذا أردتم أن تلتقطوا طرفاً من خيط التفكير في هذا الكلام، فكّروا "قليلاً" في إجابة سؤال مفاده: إلى أين نذهب أثناء النوم ونحن نرى الأحلام تحملنا إلى أقاصي الدنيا، وتجمعنا بأمواتها وأحيائها الذين قد لا نعرفهم حتّى؟
اتركوا التعمّق لنا، نبيّنه في مقام آخر، واذكروا مع بحثكم هذا تلك الرسائل؛ أو قد تسمّونها هواجس أو إحساساً ما؛ أحاط بتقليبِكم الرأي حول اتباع سلوك ما.
هذه الحيرة تحدث يوميّاً وفي كلّ لحظة، لكنّكم لا تحسّون بها؛ لأنّكم لا تلتفتون إليها. أنتم منشغلون في أوهام "العلماء، القدماء، الفلاسفة، يقول فلان، الرأي الراجح... إلخ"، لكن هذه الإشارات تفسّر لكم كيف يكون الزمن واحداً، وكيف تأنسون سلوكاً دون غيره.
وحدة الزمن هذه تمكّنكم من تصوّر سلوك أو مشهد دون أن تفعلوه أو تروه، وهو ذات الحال حين تسترجعون سلوكاً، مشهداً، أو موقفاً ما؛ حصل معكم سابقاً.
فهل سألتم أنفسكم ذات يوم، لماذا نتذكّر هذا في ساعة محدّدة ولا نتذكّر غيره؟ وهكذا تتبدّل الذكريات.
سأدلّكم على حيلة ما؛ يمكنكم أن تستغنوا فيها عن كثير من احتياجكم النفسيّ، فكلّما ألمّت بكم ضائقة ما، مهما كانت كبيرة أو ضخمة، لا تسارعوا إلى السؤال عنها، تجاهلوها حتى يصبح اليوم التالي، أشْغلوا أنفسكم تلك الليلة بأيّ شيءٍ، ولو كان تافهاً في نظركم، بعد أن تناموا ليلتكم وتصحوا في صباحها أو في أيّة لحظة، ستجدوا أنفسكم أكثر قدرة على التعامل مع المشكلة، بعد أن تضاءلت وطأة صدمتها إلى حدّها الأكبر؟
هنا فكّروا أين كنتم أثناء النوم، ومن كان معكم حينها، وماذا فعلتم أيضًا.
لا تستعجلوا حكمكم على ملمّات الدهر، فلقد شهدنا على الدوام خفقاتٍ كانت ثمناً لتغيير مسار أحلامنا، بعد أن غيّرت الدنيا مسارها ومسارنا، ولو كنّا عرفنا مبلغ ثمنها لتنازلنا عنها، لكنّها إجباريّة تلك الأحلام؛ لا خيار لنا فيها.
هكذا تُولد أحوال النفس وأهوائها، وهي بهذه الولادة تعلن بداية متغيّرة عن سلوككم السابق؛ تنجب لكم جديداً ينمو ويكبر كلّ يوم ولحظة، فالحبّ، الكره، البغض، الحسد، الضعف، الشجاعة، الأحلام، الأمل، الإحباط، التفاؤل.. إلخ، كلّها أحياء تنمو، تكبر، تتحرك، تحتاج عناية؛ طالما كانت كذلك؛ فهناك على الدوام من يحاول إيذاءها أو حتّى قتلها.
هذا ما يفسّر لكم كيف أن من يتعرّض لصدمة، لا يمكنه الإفلات من آثارها إذا استسلم لها.
بالعودة إلى الرسائل والإشارات الداخليّة، يعرف الناس جميعاً أن أفكارهم تقصُر أحياناً - بشكلٍ متفاوت - عن تلبية رغباتهم، لهذا فهم يحاولون القفز عليها بذرائع عدّة، هذه الذرائع لا تقبلها إشارات الداخل، يعرف من يراوغ، يكذب، يحتال، يؤذي، يخطئ.. إلخ، أنّه هكذا؛ من خلال هذه الإشارات التي تقوم حجّة عليه، لا تسعفه معها معتقداته، مهما كانت طبيعتها، ومهما علا سموّها، هذا يعني أنّ "الرسول" يوجد في داخل كلّ إنسان، بغضّ النظر عن حدود هذا المفهوم.
لا يكفيه أحدنا أن يقول - وهو يترفّع أو يحاول أن يفعل -: أنا "إنسان فقط"، يقصد براءته من التحيّز إلى جهة أو طائفة أو فكرة، لأنّه في نظرنا اختار طريق الانهزام والهروب من مسؤولية إحساسه بغيره ومحاولة مدّ يد العون له. إنّه يخالف "رسوله".