عندما يُذكر "يوم العهد الاتحادي"، يتجه الذهن مباشرة إلى الثامن عشر من يوليو 1971، يوم توقيع وثيقة الاتحاد والدستور المؤقت، غير أن قراءة تاريخ الإمارات تكشف أن هذه الوثيقة لم تكن بداية القصة، بل كانت تتويجًا لمسار طويل من التوافق والتعاون، امتدت جذوره إلى قرون سبقت قيام الدولة.
هذا ما تؤكده المراجع التاريخية، بدءاً من «دليل الخليج» للمؤرخ لوريمر، وصولاً إلى قراءات المؤرخة فراوكه هيرد-باي، ومؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، التي أعادت قراءة تاريخ المنطقة من خلال الوثائق العربية والأوروبية. تُجمع هذه المصادر على أن القرن الثامن عشر شهد بروز قوى محلية مؤثرة، لم تكن كيانات معزولة، بل جزءاً من فضاء سياسي وتجاري وأمني واحد.
وعندما جاء عام 1820، وقّع حكام الساحل المعاهدة البحرية العامة، تلتها هدنة 1853. لم تكن تلك المعاهدات اتحاداً سياسياً، بل إطاراً تعاهدياً للاستقرار البحري، أسهم في ترسيخ واقع من التعايش والتنسيق. وخلال هذه الحقبة التي عُرفت بـ الإمارات المتصالحة، تطورت العلاقات بين الحكام، وتعززت الخبرة في إدارة المصالح المشتركة، حتى جاءت اللحظة الفاصلة في عام 1968.
في لقاء السميح بين المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم،.. طيب الله ثراهما، انتقلت فكرة التعاون من إطار فرضته ظروف التاريخ إلى مشروع وطني نابع من إرادة القادة أنفسهم. ومن هذا اللقاء بدأت المفاوضات التي انتهت بتوقيع وثيقة الاتحاد في 18 يوليو 1971، ثم إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر من العام نفسه.
إن القيمة الحقيقية ليوم العهد الاتحادي تكمن في كونه لا يختزل تاريخ الإمارات في لحظة توقيع، بل يذكرنا بأن بناء الدول الكبرى يسبقه تاريخ طويل من التراكمات. لقد قامت دولة الإمارات عام 1971، لكن الطريق إليها بدأ قبل ذلك بزمن طويل. فالوثيقة لم تصنع فكرة الاتحاد في اللحظة التي حُررت فيها الأرض من الغرباء، وإنما ثبات الإرادة هو الذي منحها شكلها الدستوري والسيادي، وحول تاريخاً من التعاون إلى دولة أصبحت اليوم نموذجاً عالمياً.
ولعل الأهم من كل ذلك، أن هذه المسيرة لم تكن سياسية فحسب؛ فقد كانت القيم الأصيلة هي الحقيقة التي أشعلت الاتحاد، والبوصلة التي حددت تماسك الشعب في مواجهة الصعاب والتحديات الوجودية.
إن الاحتفاء بيوم العهد الاتحادي هو احتفاء بعمق التجربة الإماراتية؛ تجربة تؤكد أن الدول العظيمة لا تُبنى في يوم واحد، وإنما تُبنى عندما تتحول الخبرة التاريخية إلى رؤية، والرؤية إلى عهد، والعهد إلى وطن.
استحضر هنا تلك الدعوة الملهمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حين دعا إلى أن يُترك للأطفال القلم والورقة ليكتبوا عن زايد وعن الاتحاد. واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، يا سيدي… لقد كبر ذلك الطفل. لم يعد القلم كلماتٍ على ورقة،. بل أصبح مسيرة وطن. ولم تعد الورقة مساحة للكتابة، بل أصبحت أرضًا يراها العالم نموذجًا للاتحاد والاستقرار والإنسانية.
سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى، حكام الإمارات…
في يوم العهد الاتحادي، نجدد لكم العهد والوفاء. فهذه الوثيقة لم تكن يومًا حبرًا على ورق،.. بل كانت ميثاقًا يتجدد مع كل إنجاز، ومسؤولية تكبر مع كل جيل، وقسمًا نحمله في أعناقنا. نعاهدكم أن تبقى الهوية الإماراتية قيمةً نعيشها، لا شعاراً نردده، وأن يبقى الاتحاد ثقافةً راسخةً لا تغيب بمرور الزمن، لأن الآباء المؤسسين لم يورثونا حدوداً فحسب، بل ورثونا رسالة وأمانة. واجب الإنتماء والوفاء ..إنها مسؤولية إنماء الواجب الوطني.
وإذا كان الثامن عشر من يوليو قد شهد توقيع الوثيقة، فإن كل يوم يعيشه أبناء الإمارات بإخلاص، هو توقيع جديد على عهد الاتحاد… عهدٍ بدأ بالإيمان، وسيبقى ما بقيت هذه الراية خفاقةً في سماء الوطن.