19 يوليو 2026
عبير الهاجري تكتب: الاستقلال يومًا والاستقرار عمرًا.. أين موقعنا؟

كل أمة لها يوم استقلال، نهج يولد، يرفع فيه العلم وتكتب الوثيقة، لكن الشعوب لا تقاس بيوم احتفالها، بل بما أنجزته بعد ذلك؛ فالاستقلال لحظة انتصار، والاستقرار مسيرة عمر كامل ليبقى تاريخًا عظيمًا.

ما قيمة أن ترفع علمًا إن كان الأطفال تحته يتشتتون أيتاما بلا مأوى؟ وما قيمة وثيقة استقلال إن كانت الأجيال التي جاءت بعدها تغيب في ذكريات أليمة، بدل أن تبنى لها مدن أو مدارس وجامعات تؤمن مسيرة مستقبلهم؟ كم من دولة نالت استقلالها السياسي، ورفعت علمها، ووقعت وثيقتها، ثم تركت مصيرها الداخلي متفككا أو طمست إرادة الحراك الواعي، فتربت أجيال كاملة على مفاهيم الصراعات بدل المدارس، وفي دور الأيتام بدل أحضان الأسر؟.

هنا يكمن الفرق الجوهري؛ الاستقلال يعلن قيام كيان، لكن الاستقرار يبني مستقبلاً كاملاً، الأول قرار سياسي قد يتخذ في يوم واحد مدفوعا بظروفه، والثاني عمل مؤسسي أساسي متراكم يحتاج أجيالا من الصبر والبناء، بل تمسكًا بحق الاستقرار وجعله هدفًا.

كل يتيم حرب هو شاهد صامت على هذا الفارق، فحين تتحول شعارات الحرية والسيادة إلى تحديات تلتهم الأسر وتترك الأطفال بلا سند، وتعرّي سقف الأمان، فما قيمة الاستقلال؟ الدول القوية تسند قيمة سور الأسرة ولا تهدم سور البيت الكبير، بل تساعد في بناء سياق تاريخي يحمي ولا يعرّي. 

ما قيمة نصر يكتب في الكتب المدرسية، بينما البيت المهدوم دليل إخفاق؟ إن الدولة التي ترى في التلاحم قوة، تهدي التاريخ استقلالا حقيقيا لا يقاس بالتواريخ والأسماء والانتصارات، بل بالواقع والشواهد والجيوسياسية الأمينةة؛.. فلا يسكن فيها يتيم إلا ووجد الوطن له بيتا وموطنا، ليشيد أبراجا من الاستحقاقات الإنسانية.

الاحتفال الحقيقي بالاستقلال لا يكتمل برفع راية أو بخطاب له صدى مزعج، بل بقوة الاستقرار الذي يليه؛ أي ماذا بعد!!! وبدعم ثراء الإنسان الفكري الذي يبنيه، فالاستقلال كغرس شجرة، لا قيمة له إن ترك وحده بعد الغرس، والقيمة تكمن في السقاية المستمرة من نهر العطاء، وفي أمان أغصانها حين تكبر، وفي حماية لا تنقطع للإنسان الذي زرعها ولمن يستظل بها من بعده ويحولها وصية وطنية. وأخيرا، ما يجب أن نحتفل به دوما هو الاستقرار عندما يكون هدفا أساسيا لهوية أي وطن.

وعندما يتحدث المقال عن سياج الأسرة والتلاحم، فهذا هو المحرك الأساسي للفلسفة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي؛ فالدولة هنا لا ترى قوتها في ترسانتها وقدرتها العسكرية الفائقة والاقتصادية فقط، بل في المناعة الوطنية التي تبدأ من تأمين سقف البيت لكل مواطن، ورعاية أصحاب الهمم، وضمان استمرار التعليم تحت أي ظرف، يمتد ذلك إلى ربط الاقتصاد بالمواطن ليحقق أعظم ضمان وهو مستقبله في كل تكامل الوطن، بل وإشراكه في تحقيق حقوق مواطنته.

أذكر ذلك لا لأبرز ما هو شعلة في إشراق الأمم، بل حقيقة أمة لا تعاب، وهنا يكمن الحل: أن يقاس نجاح كل ذكرى استقلال لا بضخامة الاحتفال، بل بمؤسسات تحمي الإنسان قبل أن تحميه الشعارات، ببرامج رعاية حقيقية ليتامى الحروب لا تتركهم للشارع أو للمخيم، وبتعليم لا ينقطع مهما اشتدت الأزمات، وباقتصاد ينتج بدل أن يستجدي، وبقرار سياسي يبقى وطنيا خالصا لا يستعار من الخارج.

فحين تتحول ذكرى الاستقلال من يوم علم إلى نظام دولة يحمي كل طفل ويؤمن كل بيت، ويثق بالمرأة، ويقدم صاحب الهمم كأهم ثروة، ويحترم كبير المواطنين، ويعترف بالمقيم، ويسعد بالمهارة؛ عندها فقط يكتمل معنى السيادة، ويصبح الاستقرار امتدادًا طبيعيا للاستقلال لا استثناءً نادرًا بعده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE