حين نسأل عن تاريخ هذا الوطن، لا يجب أن نبحث عن تواريخ تدشين المنشآت، بل عن منهج التفكير الذي واجه الحاجة وصنع القرار، إن القوة التي نراها اليوم لم تولد في غرف التخطيط المترفة، بل ولدت من رحم بيئة قاسية فرضت "الإصرار" كشرط وحيد للبقاء.
لقد واجه المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" قسوة الطبيعة وشح المياه بصدمة الواقع؛ فحفر الآبار وقاوم الجفاف لينتزع الاستقرار لشعبه من أرض الصحراء، هذا الاصطدام المباشر بـ"عالم الضرورة" يثير حقيقة صياغة جيناتنا الوطنية، إن الجاهزية والاستباقية هما طوق الحماية الوحيد للسيادة والاستقرار، وانتظار الفرص أو التكيف مع التهديدات هو بداية التراجع.
لكن هذه الجاهزية الاستباقية لا تكتمل إلا بقراءة صارمة للتاريخ، ومواجهة عوائقه المزمنة بجرأة تفكك الأزمات من جذورها بدلاً من ترحيلها.
جذور التهديد: مضيق هرمز ومغالطة الأزمات الحديثة
من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التعامل مع التهديدات الأمنية والقرصنة التي نشهدها اليوم في مضيق هرمز على أنها وليدة اللحظة أو نتاج تحولات سياسية عابرة، الحقيقة التاريخية تقول إن صراع السيادة والقرصنة والتهديدات الملاحية في هذه البقعة قديمة جدًا، وهي ثابت جيوسياسي يمتد لقرون.
في مراحل تاريخية سابقة، كنا نحن في هذا الساحل أصحاب المبادرة وزعامة المواقف؛ واجهنا القوى الاستعمارية وحمينا ممراتنا البحرية بقوة السلاح والاقتراب المباشر، ثم مررنا بمراحل لاحقة آثرنا فيها الهدوء، وسعينا إلى بناء صيغ من السلام والتعايش الإقليمي لعلها تلجم النزعات العدوانية وتؤسس لاستقرار مستدام.
إلا أن واقع اليوم يثبت أن خطوط الملاحة الدولية وأمننا الخليجي المباشر ما زالا رهينة لنفس العقلية العدائية القديمة، وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن نطرحه بنقد ذاتي شجاع: لماذا لم يُوضع تاريخ هذه العوائق القديمة ومخاطرها المتكررة في محمل الجد التاريخي ك خطر دائم يستوجب الاستعداد الاستئصالي النهائي؟.
من التهدئة إلى الحزم هنا السلاح الأبدي للأجيال
إن الاكتفاء باحتواء الأزمات البحرية أو إطفاء الحرائق المؤقتة في المضيق لم يعد خياراً استراتيجياً صالحاً للمستقبل، إن الاستباقية التي تعلمناها من حفر الآبار الأولى وتأسيس الموانئ الكبرى تفرض علينا اليوم الانتقال من مرحلة "إدارة الأزمة" إلى مرحلة "الحسم النهائي"؛ لنملك مشاهد حية تؤسس لسردية قادمة واضحة القوة والمعالم.
الرد الحازم هنا هو ضرورة وجودية؛ فالسلام لا يُحمى بالمهادنة مع أطراف لا تؤمن بقواعد القانون الدولي، إن الرد الحازم والجاهزية العسكرية واللوجستية المطلقة هي "السلاح الأبدي" الذي يضع حداً قاطعاً لعقود من الابتزاز والقرصنة البحرية في مياهنا الإقليمية، وهو الاستحقاق الذي ينطق به كل مواطن اليوم لأجل أجيال الأوطان الآمنة.
يجب علينا اقتلاع التهديد من جذوره وتغيير جوهره بوضع أساسات أمنية حديثة وصارمة، إن تأمين الاستقرار الإقليمي لا يكتمل طالما ظلت أدوات التهديد قائمة وقادرة على المناورة عند كل منعطف سياسي، الاستئصال هنا يعني صياغة توازن رعب حقيقي وقدرة ردع بحرية شاملة تنهي أوهام الهيمنة لدى الأطراف الإقليمية الأخرى.
ميدان نظيف للمستقبل
إننا اليوم لا نواجه مجرد موقف عابر، بل نؤسس لاستقرار مستدام، نحن لا نبني هذه القوة لنخوض بها تجاوزات، بل لنورث أجيالنا القادمة "ميداناً نظيفاً"؛ ساحة جغرافية وسياسية خالية من الفتن التاريخية والأزمات المزمنة الموروثة.
حق الأجيال القادمة علينا ألا نورثهم صراعات معلقة أو قضايا مؤجلة تحت مسمى التهدئة، أو أن نتعامل مع تلك الأزمات بالمعاني الإنسانية الأصيلة وحدها؛ فالإنسانية ضمان ثمين لأمم عزيزة تحترم العهود، لكن ما يحدث على أرض الواقع يعاكس ذلك تمامَا.
لذا، سنبقى نحمي جغرافية قيمنا لأنها رمز وطني خالص، نريد للأجيال القادمة أن تتسلم وطناً محمياً بحدوده وممراته المائية، ليتفرغوا لبناء قوتهم وشجاعتهم وحجتهم في ميادين التنمية والاستشراف العالمي، دون أن تشتتهم نيران لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ودون أن تقيد خطواتهم تهديدات بحرية كان يجب أن تُحسم في زماننا.
إن الفخر بالإمارات الحرة والأبية ليس شعارًا للمناسبات، بل هو إدراك عميق لكيفية صياغة القوة وحمايتها، والكتابة هنا ليست صوتاً عابراً، بل هي استحضار لـ روح الدستور الأخلاقي والسيادي الذي يوجب علينا حماية الأرض والماء، لتبقى راية الاتحاد خفاقة، وخطواتنا حرة في عمق التاريخ والجغرافيا، فنحن لا نهديهم هوية فقط، بل نهديهم أيضاً فخراً بها؛ فخراً يستند إلى أرض صلبة وممرات مائية محمية، لا تهزها تهديدات عابرة ولا تنازلات مؤجلة.
توريث الأجيال وطناً مثقلاً بالأزمات المعلقة يجعل من عملية "البناء والإنتاج" مجرد عبء لاستمرار البقاء والدفاع عن الذات وتطوير المؤسسية، أما عندما يرثون "ميداناً نظيفاً" ومحمياً، فإن الإنتاج يتحول إلى دافع ومنصة انطلاق لرؤية متجددة تصنع المستقبل بنفَس مستقر واثقة.