ثمة دعوات لا تُرسل لحضور مناسبة، بل للمشاركة في صناعة مرحلة جديدة.
وهذا هو المعنى الأعمق في الدعوة التي وجّهها معالي الدكتور سلطان الجابر إلى قيادات قطاع الطاقة للانضمام إلى (أديبك 2026) في أبوظبي.
أراد معاليه للقاء أن يتجاوز حدود المؤتمر ليصبح منصة تؤكد صمود منظومة الطاقة العالمية، انطلاقاً من حقيقة واضحة: الاستقرار لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل يُبنى بالإصرار والعمل الجماعي.
وهذه العبارة تتجاوز قطاع الطاقة. فالعالم لا يواجه اليوم أزمة موارد فحسب، بل مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية بالاقتصاد، والطاقة بالأمن، والبنية التحتية بالسيادة. ولم يعد السؤال: من يملك الطاقة؟ بل: من يستطيع الحفاظ على تدفقها حين تتغير الظروف؟
من هنا تتضح فلسفة «أديبك 2026»، المنعقد في أبوظبي من 2 إلى 5 نوفمبر. فهو ينقل النقاش من الإنتاج والإمداد إلى أفق أوسع: الأمن والمرونة والاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقدرة على التنفيذ، ويجمع صانعي السياسات ورؤوس الأموال وقادة الصناعة حول القرارات والشراكات اللازمة لتأمين الطاقة ودعم النمو.
وأرى أن الرسالة الإماراتية تستحق قراءة أعمق. فالإمارات لا تنتظر المستقبل ليصل، بل تتعامل معه منظومةً تُعدّ سلفاً. وحين تضطرب ممرات الطاقة، لا يكون الحل في البحث عن بديل في اللحظة الأخيرة، بل في بنية تحتية أُنشئت قبل الأزمة، وطرق إمداد نُوّعت قبل الحاجة، واستثمارات سبقت الطلب. وهذا ما ظهر في طرح معاليه عن الاستثمار في البنية التحتية وتنويع مسارات نقل الطاقة، بما فيها المسارات التي تتجاوز نقاط الاختناق.
لقد علّمنا التاريخ هذا الدرس بثمن باهظ؛ ففي أزمة السويس عام 1956 أدرك العالم كم تصبح الطاقة هشّة حين يتعطل ممرٌّ واحد. لكنّ الفارق اليوم أن الدرس لم يعد يُتعلَّم بعد وقوع الأزمة. فالقيادة التي تقرأ المشهد مبكراً، وتوظّف البيانات والذكاء الاصطناعي في استشراف المخاطر، وتبني البدائل قبل الحاجة إليها، تحوّل الدروس القديمة إلى سياسات حيّة تحمي المستقبل.
إنها فلسفة «الاستعداد قبل الاضطرار»، وهي لا تخص الطاقة وحدها. فالدولة التي تستثمر في التعليم قبل أن تحتاج إلى الكفاءات، وفي التكنولوجيا قبل أن تصير شرطاً للمنافسة، وفي الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح معيار الإنتاجية، لا تنتظر المستقبل ليفرض شروطه عليها.
بهذا تصبح المرونة الوطنية أعمق من القدرة على تجاوز الأزمة. هي أن تملك الدولة أكثر من طريق وأكثر من خيار وأكثر من قدرة على المناورة، فلا يتحول الظرف الطارئ إلى مصير محتوم.
ولا يمكن لدولة أن تصنع الاستقرار منفردة. فالمصانع والموانئ والطائرات والمزارع والمستشفيات والاقتصادات الرقمية كلها معلّقة بسلسلة واحدة: طاقة آمنة وموثوقة ومستدامة. ولذلك فالتعاون هنا ليس ترفاً دبلوماسياً، بل جزء من هندسة الاقتصاد العالمي.
وتقدّم الإمارات في هذا السياق نموذجاً يستحق القراءة: دولة منتجة للطاقة، ومستثمرة في البنية التحتية والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، ومنصة تجمع الحكومات والشركات والمستثمرين على طاولة واحدة. فالقوة في المرحلة المقبلة لن تكون لمن يملك مورداً واحداً، بل لمن يربط الموارد بالمعرفة، والمعرفة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا بالبنية التحتية، والبنية التحتية بالشراكات.
وهكذا تتحول أبوظبي من مدينة تستضيف حدثاً عالمياً إلى مساحة تصوغ الأسئلة التي ستحدد اقتصاد الغد.
وربما تُقرأ دعوة معالي الدكتور سلطان الجابر رسالةً أوسع: تعالوا لا لنراقب العالم وهو يتغير، بل لنشارك في بناء النظام القادر على تحمّل هذا التغير.
كان العالم يسأل: من يملك الثروة؟ ثم صار يسأل: من يملك التكنولوجيا؟ أما اليوم فالسؤال الأكثر حسماً: من يستطيع صناعة الاستقرار الذي يحفظ الثروة والتكنولوجيا معاً؟
ومن أبوظبي تبدأ الإجابة بفكرة بسيطة وعميقة:
الاستقرار مسؤولية.. والتزام.. ومستقبل صناعته إرادة.