29 أغسطس 2026
عبير الهاجري تكتب: المرأة الإماراتية.. حاملة دستور الوطن وصانعة نهضته

لكل أمة شجرة تعرف بها، وشجرة الإمارات نخلة، لا تقاس بارتفاعها بل تقاس بعمق جذورها وامتداد ظلها وعطائها. وهذه حكاية نخلة، جذرها امرأة، وجذعها رجل رضع من تلك الجذور حكمتها.

لا يعرف الناس النخلة من جذورها، لأنها مجد عانى ليضيء خطى وطنها. هكذا كانت الشيخة سلامة بنت بطي القبيسي، رحمها الله، البنية الأساسية في كتب التاريخ الأولى، والغذاء المساند الذي صعد وتمسك بالصبر ليثمر ذلك الفارس، أمل هذه الأمة، زايد بن سلطان آل نهيان. كانت مستشارة صادقة وأمينة لزوجها الشيخ سلطان، رحمهما الله، ولها أثر عميق في عقل ابنها وقلبه من خلال تربيته الدينية والسياسية والفكرية والأخلاقية. وحين فقدت زوجها، ولم تعد أبوظبي في تلك المرحلة مستقرة كما كانت، حملت جذورها ورحلت بها إلى الشارقة عام ألف وتسعمئة وستة وعشرين، ثم أعادتها إلى تربتها الأصلية بعد سنتين. فهل رأيتم جذرا يهاجر ثم يعود ليثبت شجرة كاملة ووطنا قادما؟ هذا ما فعلته، طيب الله ثراها.

هذا التكوين الذي غرسته الشيخة سلامة في نفس فارس التأسيس لم يبق أثرا شخصيا، بل تحول مع توليه المسؤولية إلى نهج دولة كامل. آمن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بأن المرأة نصف المجتمع وعمود البيت الأساسي، وبأن مسيرة النهوض لا يمكن أن تكتمل إلا بها. وترجم هذا الإيمان إلى مؤسسات راسخة، فكان تأسيس أول جمعية نسائية في الدولة عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين، وانضمام الإمارات إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ليرسي بذلك نهجا قائما على الحقوق المكفولة لا على العطاء المتفرق.

ولم يكن هذا المسار جهدا فرديا، بل شراكة حقيقية قامت على قدم المساواة مع سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله ورعاها، "أم الإمارات". فحين وضع الشيخ زايد رؤيته لبناء الدولة، لم تكن سموها بانتظار أن تستدعى إلى هذا المشروع، بل انطلقت من الأساس ذاته الذي انطلق منه، وتحملت من الصعوبات ما تحمله، حتى غدت شريكا أصيلا لا مكملا، ونظيرا في المسؤولية لا تابعا لنهج فيها. وهذا ما جعل مسيرة النهضة الإماراتية مسيرة ذات ركيزتين متكافئتين، لا ركيزة واحدة يسندها آخرون..، لتكمل سموها مسيرتها برآسة فخرية للهلال الأحمر الإماراتي.

وفي عهد المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، انتقل هذا الإرث من مرحلة الرعاية والتأسيس إلى مرحلة الإنجاز الفعلي القابل للقياس. فقد شكلت المرأة أربعة وستين من كل مئة عاملة في قطاع التعليم، ونسبة مقاربة لذلك في مجالي الطب والتمريض، وواحدا وثلاثين من كل مئة في القطاع المالي والمصرفي، .. كما سجلت المرأة الإماراتية في تلك الحقبة أرقاما عالمية قياسية في ميادين متقدمة لم يكن يتوقع دخول المرأة إليها، من أبرزها قطاع الطاقة النووية.

واليوم، تحمل الشيخة شما بنت سلطان بن خليفة آل نهيان هذا الإرث إلى أفق جديد، إذ لم تعد رسالتها مقتصرة على العمل الإنساني بمفهومه التقليدي..، بل امتدت لتشمل قضايا الاستدامة وتغير المناخ باعتبارها ركيزة أساسية للعمل الإنساني المستمر. وهي رائدة أعمال ومؤسسة وخبيرة في هذا المجال، وقد اختيرت عام ألفين وثلاثة وعشرين ضمن قادة العالم الشباب. بهذا انتقل مفهوم العطاء من الاستجابة الآنية للاحتياج، إلى بناء أنظمة تكفل استمرار هذا العطاء للأجيال القادمة.

وتترجم هذه المسيرة المتراكمة عبر الأجيال اليوم إلى مكانة تقاس دوليا، إذ تصدرت دولة الإمارات المرتبة الأولى إقليميا في عدد من المؤشرات العالمية الرئيسية، من بينها مؤشر المساواة بين الجنسين الصادر عن الأمم المتحدة، وتقرير المرأة وأنشطة الأعمال والقانون الصادر عن البنك الدولي، وتقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وتقوم فلسفة القيادة اليوم على مبدأ راسخ، أن يكون التمكين شاملا لا جزئيا، بحيث لا تضطر المرأة إلى التضحية باستقرار أسرتها لتحقيق نجاحها المهني، بل تبنى حولها منظومة متكاملة تدعمها في الميدانين معا.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه القدوة لم تقتصر على أسرة حاكمة واحدة، بل تمتد جذورها إلى نساء القيادة في الإمارات السبع جميعها، اللواتي تنظر إليهن المواطنة الإماراتية اليوم كنموذج حي تستلهم منه معنى الارتقاء، وتقتدي بمسيرتهن في العطاء والريادة والمسؤولية الوطنية.

ولا يقتصر حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن المرأة الإماراتية على الإشادة العابرة، بل يحمل في كل مرة إعلانا واضحا عن مكانتها كعنوان رئيسي لرقي الدولة. فقد خاطب سموه بنات الوطن قائلا: "أنتن بنات زايد.. الذي افتخر بكن ومهد الطريق لكن لتحقيق طموحاتكن"، واصفا مسيرة التمكين بأنها امتداد لنهج راسخ لا بداية جديدة: "نهج راسخ وضع أسسه زايد وعززه خليفة ونقطف ثماره بمسيرة وطنية حافلة بالإنجازات". وهذا الخطاب المتكرر ليس مجاملة رسمية عابرة، بل تأكيد صريح على أن مكانة المرأة جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية للدولة، وركيزة أساسية يقاس بها تقدمها.

وقد تجاوز هذا الإرث اليوم حدود الجغرافيا الوطنية، ليصل أثر المرأة الإماراتية إلى مستويات إنسانية وعلمية عابرة للقارات، من إنشاء المستشفيات والمشاريع الإنسانية في أفريقيا وآسيا، إلى المشاركة في المشاريع العلمية والفضائية الوطنية، وصولا إلى المساهمة في رسم السياسات المناخية العالمية. وبهذا لم يعد الحديث عن المرأة الإماراتية حديثا محليا فقط !!، بل صار نموذجا تستشهد به مؤسسات ودول أخرى، وتدرس تجربته كمرجع في التمكين والاستدامة معا.

وهكذا، فإن الرسالة التي بدأت بامرأة واحدة صانت أسرتها في ظروف صعبة قبل قرن من الزمان، تتواصل اليوم عبر أجيال متعاقبة من النساء اللواتي حملن الأمانة ذاتها، كل واحدة بأسلوب عصرها ومقتضياته، لتبقى مكانة المرأة الإماراتية شاهدا حيا على أن رقي الأوطان يبدأ دائما من الأساس الذي تبنيه المرأة، ويستمر بقدر ما تصان هذه القيمة وتعزز جيلا بعد جيل. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE