في قاموس الأجيال، تتطور العادات ولا تُورّث حرفياً، بل تُعاد كتابتها صياغةً وممارسة، يكبر الأبناء وهم يبنون سُلّم الحياة صعوداً نحو قطاعات الوظيفة أو آفاق سوق العمل المنفتح، لكن القليل منهم من يتمسك بأسوار "الخزائن الأصيلة".
مقالي اليوم يأتي برؤية مختلفة، يسبر أغوار السرد ليصل إلى جوهر "عقلية الإدارة المقبلة" وكيفية تشكيلها، كشعلة ازدهار لا وثيقة الخزنة.
في بيت جدّتي، كان هناك صندوق خشبي صغير لا يُفتح إلا في المناسبات، داخله لم يكن ثمة ذهبٌ ولا أوراق، بل كان يحوي طريقة عجن الخبز، وأسلوب استقبال الضيف، وفلسفة الصمت حين يتكلم الكبير.
لم تكن جدّتي تعرف كلمة هوية، لكنها كانت تمارسها كل صباح بلا وعي هي الفطرة، وتُسلّمها لأمي كما تُسلَّم الأمم الأرض لتصبح أوطانًا لها معنى وأهداف، لا كما تُسلَّم وثيقة جامدة من خزنة إلى خزنة، بعيداً عن نظرة الكبار التقليدية التي تحصر الأمر بين مسؤولية بلا أدوات والتزام صارم بلا ناتج وميدان.
وهنا تبرز المعضلة الأولى التي يجب أن نواجهها بصدق.. نحن لا نخاف من ضياع العادات بقدر ما نخاف من تحوّلها إلى "متحف"، والمتحف، مهما بُولغ في تنظيفه وإضاءته وإبرازه، يبقى مكاناً للأشياء الميتة صمتت لنكون صوتها، لكن العادات في صلب الأمم وجودًا حيًا، فالموروث الحقيقي لا يعيش خلف زجاج العرض، بل في يد من يكرره كل يوم، مبدعاً في الحفاظ عليه ومجدداً لدمائه.
العولمة سوق يُنتقى لا جيشٌ يُصدّ
العولمة ليست عدوّاً يُصَدّ، بل هي تيار يُقرأ، وطموح ضروري يجب استيعابه، يتخيل الكثيرون أن المعركة القديمة كانت ثنائية حادة: من جهة "نحن" بأصالتنا وبنيتنا الصحراوية، ومن جهة أخرى "هي" العولمة بأدواتها الكاسحة، ألوان شاشاتها، لغتها العابرة للحدود، ونموذجها الاستهلاكي الموحد.
لكن هذا التصوير، رغم دراميته، هو تصوير كسول، فالعولمة ليست جيشاً يغزو أو فرضاً يُستعمر به، بل هي سوق يعرض بضاعته وعقيدة ثمينة، وما يُعرَض لا يُفرَض، بل يُختار، والاختيار هو بالضبط المربع الحرج الذي تتحدد فيه مصائر الهويات؛ ليس في لحظات المواجهة الناقدة، بل في لحظة الانتقاء الهادئ التي تحدث يومياً في يد طفل يمسك هاتفاً ذكياً.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس.. كيف نحمي عاداتنا من العولمة؟.. فهذا سؤال من يظن أن الأصالة قطعة أثرية تحتاج حارساً مدمجًا السؤال الأدق هو كيف نجعل أدوات العولمة نفسها وعاءً يحمل صوتنا، لا صوتاً يُسكِت صوتنا؟.
إننا نريد رؤية أجيال تتفاخر بهذا الإرث قبل أن تتعلم مبادئ الرقمية والخوارزميات التي لا تفرّق بين قصيدة نبطية وقصة عابرة، إن التعليم والمعرفة والانفتاح يجب أن يؤسَّسوا على بنية صحراوية أصيلة، حتى نقدم أنفسنا للعالم من موقف التمسك بالإرث والتراث؛ فلا يصبح السؤال سؤال صدّ بل جواب يمتد نحو المستقبل.
الجيل القادم.. الامتداد وإعادة البناء
أيها الجيل القادم: أنت لا ترث، بل تتسلم امتداداً للتعريف بنا، والجيل الذكي هو من يُعيد البناء، ثمة وهم شائع يقول إن الأجيال تتسلّم العادات كما تُتسلّم الأمانة المغلقة، جاهزة ومكتملة، لكن من يراقب الأطفال عن قرب يعرف أن العادة لا تُورَّث، بل تُعاد صياغتها في كل جيل بلغة عصره.
فحفيد الرجل الذي كان يجلس في المجلس لسماع القصص بات يفعل الشيء نفسه بالضبط يستمع لحكاية، يتأثر بها، ويتفاعل معها لكن عبر "بودكاست" أو مقطع مرئي، الجوهر واحد الإنسان يحتاج دائماً إلى سرد يمنحه معنى ويوجه بوصلته، ما تغيّر هنا هو الوعاء، لا الحاجة؛ وتغيرت الأداة بينما بقيت العبرة في اليد التي تمسك بهذه الآلية.
هنا يكمن الفخ الذي يقع فيه كثير من المدافعين عن "الأصالة"، الخلط بين الجوهر والوعاء، حين نُصرّ على أن العادة يجب أن تُمارَس بالشكل الحرفي الذي مارسها به الأجداد، فإننا في الحقيقة لا ندافع عن الهوية، بل نقتلها ببطء لأننا نحبسها في قالب يمنعها من التنفس مع الزمن، أما حين نفهم أن الجوهر من كرم، واحترام، وانتماء، ووقار للكبير، وحفظ للكلمة — هو ما يجب أن يُورَّث، بينما "المكنون الحر" مرن يتغيّر لتقوية العلاقة بين العولمة والإرث؛ عندها فقط تصبح العادة قابلة للحياة، بدلاً من أن تُرفع على رفوف المواسم العابرة.
نحو "امتزاج ذكي" مرجعيته الداخل
الفرق بين الأمم التي تُتقن التعامل مع العولمة والأمم التي تخشاها وتخفي موروثها ليس في مقدار انفتاحهما، بل في موقع “المرجعية” داخل كل منهما.
الأمة الهشة: هي التي تجعل المنهج المستورد مرجعاً تقيس به مظهرها وجوهرها، فتشعر بالنقص والارتباك كلما ابتعدت عنه، ليتفاخر أبناؤها بأنهم أصبحوا أصحاب “منهج بلا استقرار”.
الأمة الذكية (التي تمتزج): هي التي تُبقي مرجعيتها الداخلية وثوابتها الصحراوية راسخة، وتتعامل مع كل حديث أو وافد جديد بوصفه “مادة خام” تُعاد صياغتها وتطويعها لتخدم تلك المرجعية ولمصلحة العادات، لا العكس.
هذا بالضبط ما تفعله المجتمعات التي تنجح في عبور موجات التحول الكبرى: لا تقاوم الجديد بعقم، ولا تستسلم له بضعف، بل تُخضعه لسؤال واحد بسيط وحاسم: “هل هذا يخدم من نحن، أم يُعيد تعريف من نحن بشروط غيرنا؟”
والإجابة عن هذا السؤال — لا منع الأدوات ولا فتح الأبواب بدون مبادئ — هي ما يصنع الفارق الحقيقي بين جيل يحمل أصالته بذكاء إلى المستقبل، وجيل يترك أصالته عند باب الماضي ويمضي فارغ ولعل أبرز تجسيد لإدارة هذا المكنون الحي، هو قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في ديسمبر 2023 بإنشاء "هيئة أبوظبي للتراث"؛ ففي عمق هذا القرار الإداري يكمن دمج الأدوات والتوجيهات لتتحول المسؤولية إلى ميدان وناتج مستدام.
لم يكن القرار مجرد دمجٍ لمؤسسات تراثية، بل كان صياغة لـ"وعاء" مرن وموحد، يضمن ألا يُرفع الإرث على رفوف المواسم، بل يُمارس كأصالة حية تمتلك كل أدوات الاستباقية نحو المستقبل.
وهذه هي الحرفية الاستثنائية التي تميز دولة الإمارات؛ توازنٌ مبهر بين الفخر والاعتزاز بـ من نكون، والثقة المطلقة في فرض سيادتنا واستباقيتنا في غدٍ يصنعه أبناؤنا بشروطنا نحن لا بشروط غيرنا، الحجة والتاريخ نحو غد ينتمى لنا.