19 يوليو 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: حلول السماء ومشاعر الآخرين في المهمّة الشخصيّة

لا تركن لانتقام السماء؛ فهي لا تفعل ما لا تريده أنت، دعونا الآن من مسألة الإرادة؛ يطول شرحها، ولنضع أمام أعيننا صورة لشخصٍ تعرّض للظلم "المظلوم"، حالة متكرّرة يوميًّا، نمرّ فوق معانيها دون انتباه يسوقنا إلى التوقّف قبل متابعة السير في طريق جديد.

سندخل حديثنا من لحظة تشكّل صورة "المظلوم" هذه، على أن نعي مع ذلك مرحلتها السابقة التي قادت إلى تشكيلها؛ وهي ليست محلّ بحثنا، إذًا في لحظة بزوغ الحدث المولّد لهذه الصورة تتشكّل معه في الواقع عدّة صور، لا واحدة، غير أنّها تختلف باختلاف جهة النظر إليها.

جهة النظر هذه - ونقصد هنا نظرة الغير - سنخصّصها للعواطف أو المشاعر التي تسوق إلى ردود فعل معيّنة، لا تعنينا ردود الفعل هذه بقدر تلك المشاعر التي تتنوّع وتتوزّع بين: الحزن، الأسف، الشفقة، الشماتة، الفرح، .... إلخ. تنبع هذه من منبع العلاقة التي تربطها بالشخص محلّ هذه العلاقة "المظلوم". هنا تجدر إشارتنا إلى أنّ هناك منبعًا آخر لن نتحدّث فيه الآن، وهو طبيعة العلاقة بين صاحب هذه المشاعر و"الظالم"، لكنّ ما نريده هنا حالة غريبة عن هذه كلّها، وهي حالة تبرق فيها سمة خاصّة عند من يراقب المشهد، ميزة ما، إحساسٌ بمكانة التميّز التي يملكها "المظلوم". لا يعرف صاحب الإحساس "المراقب" منشأ إحساسه هذا.

هذا الإحساس ليس متولّدًا من داخل نفس المراقب، إنّه إحساس مُستلم، مُتلقّى، منقول عن "مهمّة المشهد الراهن". نقول: مهمّة المشهد؛ لأنّها تختلف عن مهمّة الشخص "المظلوم" من جهة، ومهمّة المراقب من جهة أخرى، وهي - أي هذه المهمّة الأخيرة - تشمل كلّ أصحاب المشاعر السابقة، والمهمّة الشخصيّة بطبيعتها سابقة عند جميع عناصر هذه الصورة: ظالم، مظلوم، مراقبين، أصحاب مشاعر، ظروف.... إلخ، قبل ولادتهم. أمّا منشأ إحساس "المشهد الراهن"، فهو نفسيّة الشخص "المظلوم" لحظة ظهور الحدث المُنشئ للحالة، هو من يقرّر لحظتها كيف تكون أحاسيس هؤلاء، فإمّا أن يقرّر فورًا طريق القوّة الذي يستعمل فيه قدرة مواهبه على تغيير مساره؛ باتجاه بناء قوّة جديدة، أو توجيه قوّة موجودة فعلًا باتجاه "أخذ الحق"، أو الركون إلى تعاويذ؛ حرصت جلسات المواعظ على رسمها بأقلام غيبيّة سماويّة؛ لم تفعل شيئًا في يوم من الأيّام، سوى إمداد هذه المجموعات بموادّ تخدير التابعين، وتبييض صفحات ظلمهم وظلّامهم.

إذًا؛ أنت من يصنع قرارك، وكذلك مشاعر الآخرين تجاه هذا القرار، توجّه المشاعر هذا؛ هو الذي يحدّد مكانتك، وليست الرتب التي تمنحها نتائج امتحانات الصبر، ولا درجات التزام تعاليم مدرسة أو مذهب، ولا امتثال لحكم القصص التاريخيّة، ولا الركون إلى ضمير الناس أو رأيهم العام حتى؛ تجاه سلوكك. حتى أولئك الشامتين والفرحين بظلمك، لا تخفى عليهم قدرتك على ضرب مكامن الظلم ومعاونيه، إنّهم يرونها في وجهك، لن يستطيعوا إخفاءها عن أعين وعيهم ومعرفتهم؛ لكنّهم يكابرون وينكرون قدرتك، وهم يضعون رؤوسهم؛ لا تحت التراب، بل تحت أقدام من يخشون.

لا يغيّر من جوهر ما سبق أن تتآمر الظروف؛ حين تصل بك إلى حال كهذا، الظروف لا تفعل ذلك وحدها، الأحداث ليست خبيثة، كذلك الأشياء، الجماد، الزمن واللحظات... إلخ، كلّها بريئة؛ من يستعملها هو الخبيث، خبثه أصيل في مهمّته التي سبقت ميلاده، كما أشرنا.

حتى مع غياب شخصيّة إنسانيّة عن مشهد "ظلمك" الواضح، ابحث عنها في خفاء التفاصيل؛ ستجدها. لا تقبل بفكرة القدر، إنّها خبيثة، ليست بريئة، يستخدمها أولئك الذين يبثّون سمومهم من تحت عباءات الطهارة.

حالة ضعفك "ظلمك" هذه؛ هي ذاتها قوّتك الضاربة، هي مصنعك أنت، أمّا الآخرون؛ فعليهم أن يتحمّلوا نتيجة أدوارهم، سيّما أولئك المتفرّجين؛ هم ليسوا أقلّ إثمًا وخطيئةً من "الظالم"، إنّهم يزيدون عليه؛ لأنّهم رفضوا المغامرة، ولاذوا بالمضمون، وقد قلنا بأنّ المضمون - باستثناء الموت بمفهومه التقليدي - غير موجود، لا بل إنّه: أكثر المغامرات كلفة.

هذه الحالة "المشهد الراهن" هي نهاية طريق كنت تظنّه طريقك، وبداية طريق لم تكن ترغب فيه ظاهريًّا، وهي مسألة أخرى متعلّقة بالمهمّة؛ لكنّه لك، تسوقك حركات الكون إليه؛ هذا يعني: أنّك لن تفشل، سوف تكون النهاية: معجزة؛ تقلب فيها أنت موازين السائد وكلّ العقائد. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE