31 مارس 2026
د. عماد يوسف خورشيد: سلسلة "القيم والقانون الجنائي" - المقالة الثانية (قيمة السكينة)

لا مراء في أن السكينة تتجلى في هدوء النفس، والسلام الداخلي، والطمأنينة، والوقار؛ فهي تمنع انزعاج النفس أمام المحن، وتعين على التعامل بحكمة، ولا تتحقق السكينة إلا بعد أن يقطع الإنسان شوطًا كبيرًا من ترويض غرائز النفس الإنسانية والصبر عليها. 

فالثابت أن الغرائز ضرورة لا غنى عنها لاستمرار الحياة، غير أنها إذا تجاوزت حدها المطلوب، شطت عن جادة الصواب، وأفضت إلى أمراض اجتماعية من حسد وبغض وبخس الناس أشياءهم، وتكون نتيجتها مشكلات وجرائم.

والبوصلة الأساسية في ضبط هذه الغرائز هو القيم الإنسانية التي ينبغي أن تُغرس في الفكر الإنساني؛ لتكون موجهًا للأخلاق، والتي تتجلى بدورها في السلوك اليومي عند ممارسة متطلبات الحياة لاستمراريتها.

وكل ما سبق لا يظهر إلا في التعامل مع الناس؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن غيره، ومن ثم يتجلى جوهره في هذا السياق: أهو حامل للقيم أم فاقد لها؟

ولتوضيح ما تقدم، يمكننا إعطاء مثال: اتفق رجل مع نداف على صنع عشرُ مخداتٍ، على أن تحتوي كل واحدة منها على كيلوغرامين من القطن، بسعر معين، ومدة الإنجاز خمسة عشر يومًا، وقد تم تسليم مبلغ معين كعربون، على أن يسدد المبلغ كاملًا بعد إتمام العمل المتفق عليه، علمًا أن السعر أعلاه لا يسد تكلفة المواد، وهو أقل من السعر المتعارف عليه لدى بقية الحرفيين من أمثاله، وقال له الصانع الذي يعمل معه: "اسطة، السعر هذا لا يسد التكلفة!" فيجيب: "أعرف، لكننا سوف نتصرف بطريق آخر". 

بدأ الحرفي بوضع كيلوغرام ونصف من القطن في كل مخدة، مخالفًا بذلك الوزن المتفق عليه! (هنا ظهر عدم أمانته)، وبعد انتهاء المدة، لم يكمل النداف العمل المتفق عليه في الوعد المحدد! ثم جاء الزبون وطلب تسليم المخدات، إلا أن النداف لم يكن صادقًا في تنفيذ ما عهد به.

وبعد استلام المخدات، شعر الرجل بأن وزنها أقل من المطلوب، فقام بوزنها، ليتضح أنها أقل من كيلوغرامين، واجه الحرفي بذلك، فحصلت مشادة كلامية بينهما، ثم طلب الزبون استرجاع العربون، لكن الحرفي رفض، فتطور الأمر إلى شجار، وبعد ذلك تدخل أناس (طرف صلح) ووعده بأن يسلم المبلغ لاحقًا!.

وفي هذه الأثناء، حضر شخص آخر وشهد الواقعة، وذكر أن موقفًا مشابهًا قد حصل معه مع هذا الحرفي، اتضح للجميع أن هذا الحرفي يفتقر إلى كثير من القيم الإنسانية التي يفترض أن تضبط سلوكه، وأن حاجته إلى المال (غريزة المال) دفعته إلى الحصول على المال دون مراعاة كون الوسيلة مشروعة أم غير مشروعة.

وبعد عدة سنوات، أُغلق المحل بسبب سوء سمعته، وكثرة الديون والمشكلات التي لحقت به، ثم أُصيب بمرض عضال، وأنفق أموالًا كثيرة في علاجه، وتوفي بعد ذلك وهو غارق في ديونه، فغياب النصح والتوجيه، أو تم النصح لكنه لم يأخذ بنظر الاعتبار، إضافة إلى جانب الجهل، أعمى بصيرته عن كسب المال بطرق مشروعة، مما نتج عنه محق البركة من عيشه، وجعل حياته رهينة لتصرفاته، حتى انتهت دون أن يدرك أصول العيش بسكينة.

ومثال آخر: قام تاجر في إحدى المدن بممارسة منافسة غير مشروعة، من خلال التواصل مع التاجر الرئيس وطلب منه عدم تزويد التجار المجاورين له بنوع معين من البضاعة، والاقتصار على تزويده بها فقط (احتكار). 

وبعد مدة، علم بقية التجار بهذا السلوك الشاذ، فاتخذوا موقفًا معاديًا ضده، مما أدى إلى توتر العلاقة بينهم، وفقدان هذا التاجر للسكينة، وعيشه في حالة من التوتر، مع مراقبته المستمرة للآخرين في بيعهم وشرائهم، وقد نتج عن ذلك الحسد والكره، مما أدى إلى تلاشي كل المواقف النبيلة التي كانت قائمة بينه وبين بقية التجار، ومحو البركة من يومه وماله، وخسارته للمال والناس.

وفي مقابل ذلك، يُلاحظ وجود الكثير من التجار وأصحاب الحرف والمهن والموظفين ممن يلتزمون بالقيم عند التعامل مع الناس، من الالتزام بالوعد والعهد، وإتقان العمل، والسمعة الحسنة، والاحترام، والوفاء، والصدق عند التعامل وفي ضبط الميزان...إلخ.

وتأسيسًا على ما تقدم، تفضل وتكرم الوالدين، والمعلمين، والمدرسين، والأساتذة الجامعيين، والمربين، والمثقفين، أن يساهموا قدر الإمكان في معالجة هذه الأمراض الاجتماعية، بغرس القيم واظهار قدوات حسنة للاقتداء بها، بالإضافة إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية والخاصة من خلال عقد الندوات والمؤتمرات للحد من المشكلات والجرائم، فهي كالوباء الذي قد يصيب الجميع إن لم يعالج.

وخلاصة القول: إن كل إنسان يحمل في داخله غرائز، كحب المال، والتكاثر، والدفاع من أجل البقاء، وطلب الجاه... إلخ، غير أن ترك هذه الغرائز دون ضابط يؤدي إلى الانحراف عن السلوك القويم، وتجاوز الأفراد بعضهم على بعض؛ لذلك يحتاج الإنسان إلى القيم لضبطها، مثل الرحمة، والعدل، والاحترام، والصدق، والأمانة... إلخ. 

ونحن ذكرنا المثالين أعلاه لنموذجين سيئين، لكونهما من الأمراض الاجتماعية التي تتطلب التشخيص ووصف العلاج لهما، (ووجود حالات كثيرة لعدم الإسهاب لم تذكر) بالمقارنة مع نماذج كثيرة خيرة في المجتمع، وقد لخص سيدنا محمد، نبي الرحمة ﷺ، هذه المعاني الإيجابية في رسالته، ورسخها فيها حين قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

نبذة عن الكاتب
الدكتور عماد يوسف خورشيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد بالجامعة التقنية الشمالية / العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE