5 مارس 2026
عبير الهاجري تكتب: حين تعرف الصحافة الكثير.. ولا تفهم بما يكفي

لم تعد الصحافة اليوم مجرّد وسيط لنقل الخبر أو صورة  ملونة  تبهر فقط!! بل أصبحت أحد أهم الفاعلين في تشكيل وعي المجتمع وتوجيه إدراكه، ومع هذا التحوّل، لم تعد أزمة الإعلام محصورة في أدواته بل في منهجه وقدرته على الفهم قبل النشر، وعلى التفسير قبل التأثير.

في زمن تتدفّق فيه البيانات بلا انقطاع، تبدو المفارقة في موارد  المعلومات، مقابل تراجع في المعنى، فالمعلومة التي تُقدَّم بلا سياق لا تُنير، بل تُربك تصبح  ثغرات لنمو التأثير  السلبي، والخبر الذي يُنشر بلا تفسير لا يشبه إيجابية  الجسور، بل يفتح الباب لمحاور مضللة، خاصة حين تحلّ أوهام  العوائق  محل أدوات الفهم.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نصل إلى الخبر أولًا؟، بل كيف نضعه في إطاره الصحيح؟.

لقد تحوّلت مساحات واسعة من العمل الصحفي إلى إعادة تدوير للأحداث،  وتكرار الأدوار أو سباق رأي يسبق اكتمال الصورة، ومع تضخّم الضجيج الإخباري، وتوسع  العولمة الصحفية بات الحدث يتأرجح بين نقلٍ متعجّل ورأيٍ غير مؤسَّس، فغاب التحليل الرصين، وتآكلت وظيفة الصحافة كمرجع للفهم لتصغير حجم القلم بدون تفكير في الخطأ.

الأخطر من ذلك هو صعود ما يمكن تسميته بـ الإعلام المعلّب: سرديات جاهزة، ومواقف مسبقة، تُقدَّم للقارئ على أنها حقائق مكتملة، في هذا السياق، يفقد القلم دوره التنويري كمسؤول أمام حماية الاستراتيجية  الوطنية، ويتحوّل – بقصد أو بغير قصد – إلى أداة تخدم مصالح أو توجهات لا تعلم أين صراحة الالتزام بحدود المعقول تجاوزه، فتتآكل الاستقامة الصحفية بين الكاتب ومسؤوليته تجاه القارئ ووطنه وقيادتة  وشعبه أولاً.

فالصحافة ليست ممارسة محايدة أخلاقيًا، فحين يُصنع القلم، تُرسم سطور أمة، وهنا يكمن الفرق بين ما نعيشه اليوم، وبين الهيكلة التي نحتاجها، فالرأي بلا سياق يتحوّل إلى تلاعب، والخبر بلا تفسير يصبح تضليلًا ناعمًا، مقبولًا على السطح، ملوّنًا في العمق، ومع تكرار هذا النمط، يتشكّل وعي عام هش، سريع التأثر، صعب التصحيح.

إن إعادة الاعتبار للصحافة تبدأ من إعادة تعريف وظيفتها الأساسية:
أن تكون مساحة للفهم، لا مجرد منصة للنقل.
وأن تحرّك منصّات الاعتزاز بالوعي، لا استهلاك الحدث.
وأن توازن بين السرعة والدقة، وبين الرأي والتحليل، وبين الحرية والمسؤولية، وبين عبور الحلم ومواجهة الواقع.

أما القلم الوطني، فدوره لا يقتصر على التعبير عن الموقف، بل يتعداه إلى حماية العقل الجمعي من التبسيط المخل، ومن الاستقطاب السطحي، ومن التبعية الممنهجة. 

القلم الوطني الحقيقي لا يبرّر ولا يهاجم، بل يشرح، ويضع القضايا في سياقها، ويمنح القارئ أدوات الفهم، لا أوهام اليقين.

وفي أوقات التحديات، يكون القلم قائدًا للكلمة، وفي أزمنة التقدّم، تصبح الكلمة نبراسًا للقلم، فالصحافة كانت، وستظل، ميزان الأمم، وذاكرتها الحيّة.

اليوم، نمتلك صروحًا صحفية واسعة، أرضًا وفضاءً، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في المساحة، بل في المعنى، فمحاولات تفتيت القدوة، ومحو السياق، تضعف البنية العميقة للصحافة، مهما بدا شكلها متماسكًا.

وهنا يبرز السؤال الأهم..
هل تسمح الهيكلة الحالية لإعلامنا العربي بأن تشرق الصحافة بفعل إيقاظ للوعي، لا مجرد صدى للأحداث؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE