26 سبتمبر 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: الحضور والغياب بين السحر والواقع

بات مفهوماً _ ولو بجزءٍ _ كيف نَفهم مشهد الحياة؛ هذا الفهم الذي لا يرى في تقسيمٍ تقليدي للتناقض أو التضادّ، ولا حتّى الواقع والخيال، أو الحياة والموت، أو غيرها من مفاهيم سادت عقل المفكّرين قبل غيرهم، طريقاً لفهم الوجود.

هذا الفهم الذي يهمّنا بحدود تختلف باختلاف مواقعنا التي تحدّدها ظاهرة الوجود ذاتها، كما تحدّد كذلك دور كلّ عنصر من العناصر المذكورة في تشكيل مشهدٍ ما؛ يتعرّف عليه الإنسان عن طريق حوّاسه _ مع تحفّظنا على طريقة معرفته هذه باعتبارها من "مسلّمات" المفكّرين وتابعيهم؛ التي لا نُقرّهم فيها، كما لا نقرّ طريقة فهم غير الإنسان لهذا الوجود.

في هذا الارتباط بين الوجود وفَهمه، ومعرفة الإنسان وغيره لهذا؛ لا يمكن تجاوز "أحاسيس" بني البشر، بما وراء أنظارهم _ بشكل رئيسيّ _ أو باقي حوّاسهم. لن نخوض في مسائل معقّدة لا مجال لطرحها أمام العامّة، لكنّنا سندير الانتباه إلى فهم مسألة يوميّة، بل لحظيّة، يُعايشها الإنسان _ كما غيره _، وهي مسألة الشعور؛ أو رؤية؛ أو حتّى التعامل مع الغائبين، سواء أكانوا أحياءً أم أمواتا.

لا يُمكن لأحدكم إنكار أنّ كثيراً من قراراته التي تعكسها تحرّكاته أو تنعكس عليها، هي وليدةث حالة الاتصال الروحي بينه وبين غائب حضرت له ذكرى معيّنة، بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة ونوع العاطفة وما انتهت إليه، إلّا أنّ محرّكا دار في سكون منطقة القرار عند "صاحب اللحظة". هذه اللحظة ليست فراغاً ولا عبثاً؛ إنّها جزءٌ أساسيٌّ من تشكيل لوحة جزئيّة تشكل حياته وحياة من يشاركه هذا التلوين، وهي بدورها جزء من لوحة أكبر.

المهمّ في هذه اللوحة _ علاوة على أنّها جزء من لوحة الحياة _ أنّها: مرسومة في تفاصيل حياة شركائها على أساسٍ من أصالة هذا الرسم، بما يعني: أنّ سير الأحداث التي سبقت لحظة الذكرى هذه لم يكن قد تعرّض لحادثٍ مفاجئٍ أدار النتائج باتجاهٍ آخر _ هذا إذا اعتبرنا أنّ ما وصل إليه الحال الآن نتيجة _ فالنتائج لا تُحسم عند هذه الحدود.

انعطافة الأحداث هذه هي واحدة من مراحل سيرها؛ لم تطرأ على مجهول، ولم تكن هي بذاتها مجهولة، لكنّ "رؤية" صاحبها لها لم تكن واضحةً حتى ما قبل حدوثها. بالطبع؛ المقصود بالرؤيا هنا مفهومها العام، الذي يدخل فيه كلّ ما يُوصله إلى إدراك حدوثها، بما فيه الإحساس المُسبق.

في لحظة شعور "صاحب اللحظة" هنا تبدو جليّةً فكرة الحضور والغياب؛ على أساسٍ من اندماجها الحركيّ؛ الذي يعني عدم تناقضها، وهو ما يقتضي أنّ الغياب فكرةٌ كالخيال؛ هذا يعني أنّ الغائب لا يزال حاضراً معك؛ لكنّ حضوره تغيّر، لا لذاته، بل لطبيعة إدراكك أنت له، والذي تُحدّده "خطوط ألوان اللّوحة".

ليست هذه وحدها نتيجة عمليّة لذلك؛ فبالتلازم مع هذا، فإنّ الحضور كذلك لا يغيب، هو باقٍ؛ لكنّك لا تمرّ عليه سوى حين تلتقي مرحلة سير حياتك مع مرحلة سير حياة "صاحب الذكرى"، ولو كان غير إنسان، على أن لا تُفهم المرحلة باعتبارها زمناً يمرّ، ويبدأ وينتهي، بل هو حاضر في جميع "الأوقات"، مع الانتباه إلى أن لا يذهب تعبير "الأوقات" إلى أبعد من تحديدنا هذا.

في فهمٍ كهذا؛ يمكنك فهم حضور شخص ميّت في لحظة شعورك به، أو بحدثٍ كان له ارتباط في حدوثه ولو بطريقٍ غير مباشر، كأن تعجز عن شراء منزلٍ باهظ الثمن، لكنّك تذكّرت لحظتها أنّك فقدت فرصة كانت ستجني لك أضعاف ثمن هذا المنزل؛ كان أحدهم سبباً في خسارتها. تأكّد حينها: أنّ حضورك هذا في مشهد الحدث "الماضي" يُعيدك كما يُعيد ذات الشخص؛ بل وكلّ من ارتبط بهذا المشهد؛ من إنسان او غيره، إلى لحظة "الحدث القديم". ليس هذا مهمّا أو عمليّا؛ الأمر يتعدّى كلام الفلسفة إلى فرض نطاق حدودي على كلّ عناصر المشهد التي ذكرناها، بما يعني إقامة "عدل الدنيا" وبلوغ صاحب الطلب طلبه.

في تلك الصورة السابقة؛ وعلاوة على فهمٍ عمليٍّ لتأنيب الضمير، أو دفعه باتجاه الخير أو ثنيه عنه ودفعه للشر، لا ينبغي لك أن تُدرك فوراً ومباشرة "حكم الدنيا"، بل ما عليك فعله: هو تلقي التطمينات؛ من أنّ أمرك ليس متروكاً، لكنّه مشروط بتحرّك شجاعٍ منك؛ بفعلٍ "حركة" أو بغيره، حتّى ولو بمجرّد التذكر، حتى تبقى يدك قابضة على المشهد تحرّكه كيفما منحتك الدنيا حركة، فهي تُعاقب الساكت دوماً؛ مهما كان موقعه.

مثل هذا التمثيل ينطبق على حالة الحبّ والمودّة، وكلّ المشاعر التي يعرفها الإنسان، وهي تفعل فعلها الواجب، بما يليق "بطلب اللحظة" واستحقاق "المشهد الأوّل".

تُظهر الصورة السابقة تساؤلاً حول فكرة السحر؛ الذي يتّسع مصطلحه إلى فكرة التعامل مع الجنّ؛ التي نتحفّظ كثيراً على أصلها وتفاصيلها ووظيفتها، وقد يطال في المجاز أو التصريح فكرة الجمال.

فإن عرضنا للفكرة الأولى، فهي لا تخرج عن صورة محاولة نفس "قد تكون خبيثة وقد تكون بريئة" لإدارة أحداث "حياة" شخص ما باتجاه ما. ببساطة نقول هنا: أنّ الاعتقاد بفكرة لوحة الحياة التي تحدّثنا عن جانب منها قبل قليل؛ يُعفيكم من الخضوع لخوف التسلّط على أحدكم، ولو بما يُحبّ؛ فلا يمكن لشخص استعمال آخر ليسخّر "الجنّ" مع أو ضدّ رغبتك. ما عليك فعله: هو التيقّن باستعمال "لحظة الطلب" التي تحدّثنا عنها حين تجلب أمام ناظريك من تريد.

أنت لست بحاجة لأحد وسيطا أو حليفاً، لكن عليك أن لا تعبث بحقوق غيرك. لحظة الطلب هذه قد تكون محمولةً على عاطفة الحبّ التي تريد منها الإلتقاء بحبيب قد لا يعلم أمر حبّك أصلاً، لكنّك إن فعلت ما طُلب منك "لحظة الطلب"، وصلت إليه؛ ووصل إليك بذات الطريقة. أمّا تمام الأمر كما تحبّ؛ فَدَعهُ للأيّام التي قد تفعله وقد لا، لكنّها ستريك بذات الطريقة ما فَعَلَت هي في أمرك. الحياة لا تنسى ولا تُهمل؛ تحفظ في سجلّاتها كلّ تفاصيلك، وتراجع معك بهذه الطريقة متابعتها أمرك.

أمّا إن تجوّلنا قليلاً في سِحر الجمال، الذي قد تعرضه لحظة إلتقاء فعليّ بجميلٍ، أو ذكرى تجمع جماله أمام لحظة وقوفك عنده، فالأمر لا يتعدّى كونه من محبّ أذهَلَهُ المشهد؛ فَراحَ يلوذُ بجمالٍ آخر؛ يُرضي به هذا الجمال، وهنا يذهب المحبّ في رحلة "الصعود". نقول الصعود مجازا؛ لأنّ فكرة الصعود والهبوط ذاتها لا تنفصل عن فكرتنا السابقة.

ومثل ذلك يفعل الحاسد، لكنّه لا يذهب نحو الجمال لأجل الجميل؛ بل يسعى إليه لذاته، معتقداً بتفوّقه على هذا الجميل "من جانب إنكار جماله"، لكنّ سعيه هذا ليس باتجاهٍ مباشرٍ نحو الجمال، بل يُطلقه باتجاه بث قُبح الجميل، فإن لم يستطع؛ بَثَّ القُبح من حوله؛ وهو بهذا يصنع القبح لذاته. في صورةٍ كهذه؛ يمكنك أيضاً أن ترى في اللوحةِ تمازجاٍ بين القُبح والجمال عند عناصرها كافّة.

ننهي بالقول: أنّ الصورتين الأخيرتين تعتمدان السرعة في تجميع عناصر تفاعلها؛ هذه السرعة التي تفوق "لحظة العين"، وهي تهدف إلى مسح تاريخها كلّه، وتبديله بحاضرٍ ليبدو وكأنّه ناتجٌ عن تاريخٍ ممتدّ، ينبغي له _ وفق اعتقاد صاحبه _ أن ينسف صورته، ويستعيض عنها بالصورة المرغوبة آنيّاً؛ التي طالما رفَضها سابقاً أو رفض التعرّف عليها.

نذكّركم بعد هذا العرض؛ بفكرة الامتداد الزمني، وعناصر تشكيل اللوحة والتمازج؛ التي تلتقي عند محاولة كلّ المخلوقات فهم ذاتها وغيرها، وهي تسعى إلى التفاعل معها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE