28 يونيو 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: نحن لا نشبه ما نحب "أسرار الجاذبيّة"

"ليس يشبهنا ما نحبّه" نظريّتنا فيما هو لنا، مُلكنا، نصيبنا أو شريكنا.. إلخ، قاعدة عامّة تطال كلّ جوانب علاقتنا بعالمنا، ابتداءً من تعاملنا مع ذاتنا؛ وانطلاقاً نحو غيرنا وعالمنا، بما يعنيه ذلك من شمول العالم بأكمله: الشريك، الناس، الأشياء، الكائنات.. إلخ، كلّها لا تشبهنا؛ تلك التي نسعى إلى بناء علاقة معها.

نحن نبحث عن أشياء فيها ما ليس فينا، نحن نعتقد أنّنا نختار شريكاً، منزلاً، سيّارة، قطعة ملابس.. إلخ، لأنّها تشبهنا، ليست هذه الحقيقة، هذا التشابه بيننا ليس هو سبب اجتماعنا، إنّه أمرٌ آخر ليس موضوعاً لبحثنا.

نحن نحتاج من كل غريب أن يقترب منّا؛ لأن هناك لذّة أو حاجة لا يمكننا إدراكها دون هذا الغريب، أمام هذ الصورة؛ ومع إقرارنا بأنّ التأقيت روح كل شيء؛ هذا يعني أنّنا نبقى نطالع ونعايش لذّتنا هذه طالما كانت هذه الأشياء غريبة عنّا، بمعنى: أنّها إنْ تحولّت إلى غير غرابتها هذه؛ فَقَدت علاقتها بنا و فقدنا نحن هذه العلاقة.

تحوّل حالة الغرابة؛ والتي تعني في إطار هذا الحديث: توافر مزايا لدى طرف دون الآخر، لا تستلزم مضي وقت طويل فقط، قد تتحوّل الغرابة بزمن قصير، العلّة ليست بمرور زمن يحيل الغريب مألوفاً، لكنّها ـ أي العلّة - تكمن في خسارة أحد هذه الأطراف لعناصر الغرابة تلك لصالح طرف آخر، وهو ما يعني التشابه.

إذا أردن أنْ نوضّح ذلك بمثال : يمكننا الإجابة على تساؤل معظم - ربّما ـ كل الأزواج: لماذا تضرب هذه العلاقة مشاعر الملل ويغلب عليها طابع أداء الواجب؟

الإجابة على هذا السؤال تنطلق من التأكيد على فهم خاطيّ لطبيعة الارتباط منذ البداية، الفهم الخاطيء هذا اعتمد على الشبه والتقارب بين الطرفين، إنّه المقتل الذي يسوق كل منهما لمحاولة الإقتراب أكثر في إطار سيره نحو شدّ وثاق هذا العقد، غير أنّ الشدّ العفوي هذا؛ يفعل فعلاً معاكسًا، ففي الوقت الذي يستهجن فيه طرف مقابلة الطرف بالآخر بسلوك اعتقد أنّه يطيب لشريكه، نجد أنّ سبب نفور، ملل، أو عدم اكتراث الطرف الآخر هو ذات الفعل الذي بُنيت عليه آمال شدّ هذا الوثاق؛ ما أدّى إلى قطْعِه.

لتوضيح صورة هذا المثال: كثيرةٌ هي المشاهد التي يقدّم فيها أحد الطرفين تنازلاتٍ لم يكن ليفعلها قبل دخوله هذه العلاقة أو طلبه شيء ما، يتحدّث بطريقة يحبّها الشريك، يلبس، يمشي، يصفّف شعره، يأكل ذات الطعام، يشرب ذات المشروب، يذهب إلى ذات الأماكن، يقرأ ذات الكتب، يتابع ذات البرامج، يحلس مع ذات الأشخاص أو يحملون ذات الأفكار.. إلخ؛ هذا يعني: أنّهما أصبحا عقلاً واحداً ومشاعر واحدة؛ وهي مقتل هذه العلاقة التي فقدت بذلك تنوّعها المُرتكز فوق غرابتها، بينما كان الاعتقاد أنّ هذه الجهود تصبّ في تعزيز هذه العلاقة؛ تبيّن أن مغادرة كل طرف حدوده الغريبة تجاه حدود الآخر أودت بخسارته.

هذا ما يفسّر كيف تبدو العلاقة في البداية بصورة استعلاء طرف على الآخر، ثم لا يلبث زمنا حتى تنقلب الصورة، إذا أردتم أن تدوم علاقة ما عليكم صيانة هذه الغرابة، لا تنسوا أنّنا عمّمنا هذه العلاقات على كل مظاهر الحياة؛ ليس فقط الزواج، فإذا عدنا إلى مثالنا: فإنّه ينبغي لزواج ناجح أن يسل كل طرف سلوكاً مستقلّاً عن الآخر، بمعنى أن ياكل كل منهم ما يهوى ويلبس، يتحدث، يخرج، يشاهد، يتابع.. إلخ وفقًا لهواه، ليس من أجل انفصال شخصيّة كلّ منهما عن الآخر، بل من أجل أن يعود كل منهما بتجربته ليمزجها بتجربة الآخر؛ وإلّا توحّدت التجربة وانتهى الشريك؛ بحيث لم نعد سوى أمام شخصيّة واحدة، ينبغي معها البحث مجدّداً عن غريب.

بهذا المعنى فإنّ مفهوم الشريك، الطرف الآخر، الشبه والاختلاف، المحبوب والمكروه، الجاذب والمنفّر، الممتع والمملّ.. إلخ يتحدّد ضمن إطار كهذا، حتّى علاقتنا مع ذاتنا، أشيائِنا وأحلامنا؛ يجب أنْ يطالها التجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE