في موروثنا العربي القديم، شعرًا كان أم تاريخًا، لم تكن المادة يومًا موضوع الحديث بذاتها، حين يذكر الشاعر الجاهلي إبله أو خيله أو خباءه، فإنه لا يفعل ذلك افتخارًا بالملكية، بل توظيفا لها كرمز لشيء أعمق: الكرم، الشجاعة، الوفاء، النخوة.
حاتم الطائي لم يخلد في الذاكرة العربية لأنه كان يملك الكثير، بل لأنه كان يعطي الكثير، فالملكية عنده لم تكن غاية، بل اختبارًا يظهر معدن الإنسان الحقيقي حين يبتلى بالغنى أو الفقر، والمؤرخون القدامى، من الطبري إلى ابن خلدون، سلكوا المسلك ذاته؛ فلم يكن التاريخ عندهم سجلا للثروات والممتلكات، بل توثيقا للمواقف: كيف تصرف الحاكم في أزمته، وكيف صمد الشعب في محنته، وما الدرس الذي تختتم به الحادثة، والمادة، حين تظهر في هذه النصوص، لم تكن يومًا عائقًا بذاتها، بل كان توظيفها هو موضع الاختبار والحكم.
أما اليوم، فقد انقلبت الموازين رأسًا على عقب، حتى غدت المادة نفسها موضوع السرد بعدما كانت وسيلته، فصار النجاح يقاس بحجم المقتنى لا بجدارة صاحبه، وصار الخطاب المعاصر يحتفي بحصاد النتيجة أكثر مما يحتفي بنبل الموقف الذي أفضى إليها، هناك كان المال شاهدًا على الكرم، واليوم قد يصبح الكرم شاهدًا على القدرة على استعراض المال.
هناك كانت الخيل تنطق بشجاعة فارسها، واليوم قد تنطق المركبة بمكانة صاحبها، هناك كان الشاعر يخلد خصلة في رجل، واليوم قد يخلد الإعلام صورة لرجل، وبين الخصلة والصورة، ضاعت أحيانا تلك المسافة التي كان فيها الإنسان هو الأصل الثابت، وما يملكه مجرد شاهد عابر عليه.
ومع هذا، فإن فورة الاستهلاك المادي لم تطفئ ظمأ الإنسان إلى المعنى، بل لعلها أذكته، فكلما اقترب المرء من الشبع المادي، اكتشف أن جوعه الحقيقي كامن في موضع آخر: في القيمة، وفي الموقف، وفي المعنى الذي لا تمنحه الحيازة مهما تكاثرت، وهذا البحث المتجدد عن القيم، رغم ضجيج المادة المحيط بنا، ليس مفارقة بقدر ما هو دليل عافية، إذ يشهد على أن إرث القيم والمواقف لم يستأصل من الوجدان، بل ظل كامنا ينتظر لحظة الفراغ ليطفو من جديد إلى السطح.
وهذا المقال ليس وعظًا ولا نصيحة، بل هو دعوة إلى وعي، فثمة زعماء لم يبق منهم إلا تماثيل من شمع تنصب في المتاحف، لا لشيء سوى أن يستذكر بها الناس ما بلغوه من أرقام ومكاسب، وهي أرقام هشة، سرعان ما تذوي إن تبدلت موازين المال والسلطة، وثمة في المقابل متاحف أخرى تخلد مقتنيات العظماء: سيفًا شهد معركة، ورسالة كتبت في محنة، وأثرًا يوثق محطة من محطات شجاعتهم ودفاعهم عن الكرامة، وهذا صنف لا تنال منه الأرقام مهما تقلبت.
والفارق بين المتحفين هو الفارق نفسه بين ما يذوي وما يبقى، وفي النهاية يبقى الاختيار وحده هو ما يجدر بنا أن نفخر به: أن نذكر بأرقام آيلة إلى الزوال، أم أن نذكر بموقف خالد.
فالعودة إلى الأصل، إلى الخصلة قبل الصورة، وإلى الموقف قبل المكسب، هي في جوهرها تحرر للأرض والشعوب من الوقوع أسيرة لتمجيد لا ينتمي إلى موروث تاريخها.