23 يوليو 2026
عبير الهاجري تكتب: هل كان الخليج عبر التاريخ أحد مفاتيح النفوذ الدولي؟

ليست كل المناطق التي شهدت صراعات عبر التاريخ أصبحت محط اهتمام الإمبراطوريات، وليست كل الممرات البحرية حافظت على قيمتها عبر القرون، ومع ذلك، ظل الخليج حاضرًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية، على اختلاف حضاراتها وأهدافها وأدواتها، حتى بدا وكأنه نقطة يلتقي عندها التاريخ كلما تغيّرت موازين العالم.

هذا المقال لا يبحث في الصراعات من منظور سياسي، ولا يحاول إسقاط الماضي على الحاضر، بل ينطلق من سؤال تاريخي بحت: هل كان الخليج عبر التاريخ أحد مفاتيح النفوذ الدولي وتعزيز النفوذ الإقليمي؟

قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بديهية، لكن قراءة التاريخ تكشف أن الصورة أكثر عمقًا، فالقوى التي تعاقبت على الخليج لم تكن تنتمي إلى حضارة واحدة ، ولم تحمل مشروعًا واحدًا، ولم تستخدم الوسائل نفسها.

فمن القوى الفارسية التي تعاقبت على الضفة الشرقية للخليج، إلى البرتغاليين، ثم العثمانيين، فالهولنديين، ثم البريطانيين، اختلفت الدوافع، وتبدلت الأدوات، لكن بقي الخليج حاضرًا في حساباتهم جميعًا.

ولعل هذا يقودنا إلى سؤال أكثر أهمية.. هل كانت تلك القوى تتنافس على الخليج ذاته، أم على ما يمثله الخليج من موقع، وممرات بحرية، وتأثير في محيطه؟.

سنعود في هذا المقال إلى المصادر التاريخية، ونقرأ كل مرحلة كما وردت في سياقها، لنفهم لماذا أولت كل قوة هذا الإقليم اهتمامًا خاصًا، وما الذي كانت تسعى إليه، وما الأدوات التي استخدمتها لتحقيق ذلك.

أولًا: الخليج في نظر القوى الفارسية
قبل أن تصل السفن البرتغالية إلى مياه الخليج في مطلع القرن السادس عشر، كانت هذه المنطقة جزءًا من المجال الحيوي للقوى التي تعاقبت على الهضبة الإيرانية، ثم لاحقًا الدول التي حكمت فارس في عصور مختلفة، وكانت أهمية الخليج بالنسبة إليها نابعة من عدة عوامل؛ فهو منفذ بحري يربطها بالمحيط الهندي، وطريق للتجارة مع الهند وشرق إفريقيا، ومجال لحماية السواحل الشرقية من أي نفوذ خارجي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن اهتمام تلك الدول لم يكن ثابتًا على نمط واحد، بل تغيّر بحسب معطيات قوة الدولة وظروفها السياسية والاقتصادية، ففي بعض الفترات كان التركيز على التجارة والموانئ، وفي فترات أخرى على الأمن البحري أو إدارة السواحل، وهذا يوضح أن الجغرافيا كانت عنصرًا ثابتًا، بينما تغيّرت السياسات بتغيّر العصور.

ومن هنا نستخلص أول نتيجة في هذا المقال، الخليج لم يصبح مهمًا بعد وصول القوى الأوروبية، بل كانت أهميته راسخة قبل ذلك بقرون.

ثانيًا: البرتغاليون.. بداية التنافس البحري العالمي
في عام 1507م وصل البرتغاليون بقيادة أفونسو دي ألبوكيرك إلى الخليج، وكانت أهدافهم واضحة؛ السيطرة على الممرات البحرية التي تربط أوروبا بالهند، وإنهاء احتكار التجارة الذي كانت تستفيد منه القوى الإسلامية في ذلك الوقت.

لم يكن مشروع البرتغاليين مشروع استيطان واسع، بل كان مشروعًا بحريًا، ولذلك ركزوا على الموانئ، والحصون، والمضائق، وأبرزها مضيق هرمز، الذي كان يمثل أحد أهم مفاتيح التجارة البحرية في العالم.

وتكشف هذه المرحلة عن حقيقة مهمة؛ فالقوة البحرية الأولى في أوروبا آنذاك لم تتجه إلى الخليج بسبب موارده الطبيعية، بل بسبب موقعه الذي يمنح من يسيطر عليه قدرة على التأثير في التجارة الدولية.

ثالثًا: العثمانيون.. حماية الطرق وبناء النفوذ
لم ينظر العثمانيون إلى الخليج بالطريقة نفسها التي نظر بها البرتغاليون، فقد دخلوا المنطقة في سياق صراعهم مع البرتغال، وسعيهم إلى حماية طرق الحج والتجارة، وتعزيز نفوذهم في الولايات الواقعة ضمن دولتهم.

وفي المناطق التي خضعت للإدارة العثمانية، ظهرت آثار إدارية وقضائية وعسكرية بحكم طبيعة الدولة، لكن هدفهم الرئيس في الخليج ظل مرتبطًا بتوازن القوى الإقليمي أكثر من كونه مشروعًا بحريًا عالميًا كالذي تبنته البرتغال.

وهنا نلاحظ اختلافًا مهمًا؛ فالبرتغاليون رأوا الخليج من البحر، بينما رآه العثمانيون من اليابسة أيضًا، ولذلك اختلفت أدوات كل منهما رغم اهتمامهما بالمكان نفسه.

رابعًا: الهولنديون.. عندما قادت التجارة السياسة
في القرن السابع عشر برز الهولنديون منافسًا جديدًا، لم يدخلوا  الخليج بجيش كبير، بل عبر شركة الهند الشرقية الهولندية، التي كانت تمثل آنذاك واحدة من أقوى المؤسسات التجارية في العالم.

كان هدف الهولنديين السيطرة على التجارة، وتأمين شبكاتهم البحرية، وبناء مراكز تجارية قادرة على منافسة البرتغاليين، ولهذا ارتبط وجودهم بالموانئ والأسواق أكثر من ارتباطه بإدارة الأراضي.

وتؤكد هذه المرحلة أن التجارة كانت في كثير من الأحيان وسيلة لبناء النفوذ، وأن القوة الاقتصادية كانت قادرة على تحقيق ما لا تحققه الجيوش وحدها.

خامسًا: البريطانيون.. من حماية الطريق إلى صناعة النظام الإقليمي
مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، دخل البريطانيون مرحلة مختلفة، فقد أصبح الخليج جزءًا من استراتيجية حماية الطريق البحري إلى الهند، التي كانت تمثل أهم مستعمرات الإمبراطورية البريطانية.

ومن هنا بدأ الاعتماد على المعاهدات، والاتفاقيات، والعلاقات مع حكام الساحل، إضافة إلى الوجود البحري، وهو ما منح بريطانيا نفوذًا طويل الأمد في المنطقة.

وخلافًا للقوى التي سبقتها، لم يقتصر اهتمام بريطانيا على الموانئ، بل امتد إلى بناء منظومة سياسية وأمنية تحافظ على استقرار الطريق البحري الذي يخدم مصالحها العالمية.

ماذا يخبرنا التاريخ؟
بعد استعراض هذه المراحل، نجد أن القوى التي وصلت إلى الخليج لم تكن متشابهة في ثقافتها، ولا في لغتها، ولا في عقيدتها، ولا في أدواتها، ومع ذلك، فإنها اجتمعت على حقيقة واحدة: أن الخليج يمثل موقعًا يصعب تجاوزه في أي مشروع يسعى إلى توسيع النفوذ، أو حماية المصالح، أو السيطرة على طرق التجارة.

ولذلك، فإن الثابت في التاريخ لم يكن الإمبراطوريات، بل الجغرافيا، أما القوى، فقد تبدلت، وتغيرت وسائلها، وانتهت مشاريع كثيرة، بينما بقي الخليج حاضرًا في معادلات المنطقة والعالم.

الأداة بوصفها مفتاح المفهوم الاستراتيجي 
عند مقارنة المراحل الخمس، يظهر معيار واحد يفسر اختلاف كل تجربة عن الأخرى: الأداة التي اعتمدت عليها كل قوة للوصول إلى نفوذها، فالفرس استندوا إلى الموانئ وحماية السواحل، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لأمنهم الإقليمي، وجاء البرتغاليون بأسطول وحصون بحرية خالصة، لا تحمل مشروع استيطان أو إدارة أرض، أما العثمانيون فقد جمعوا بين الحضور البري والامتداد البحري عبر منظومة إدارية واسعة، وسلك الهولنديون طريقًا مختلفًا تمامًا، إذ اعتمدوا على الشركة التجارية أداةً للنفوذ بدل الجيش، وأخيرًا جاء البريطانيون بأداة أكثر تعقيدًا، قائمة على المعاهدات والنظام الأمني، لا على الوجود العسكري وحده.

هذا التفاوت في الأدوات يفسر لماذا لم يتكرر التاريخ بالشكل نفسه في كل مرحلة، فحين تكون الأداة عسكرية بحتة، يكون النفوذ عرضة للزوال بزوال القوة العسكرية، كما حدث مع البرتغاليين الذين انحسر حضورهم بمجرد أن تراجعت قدرتهم البحرية، وحين تكون الأداة مؤسسية وتعاقدية،  كما فعل البريطانيون، يطول أمد النفوذ ويتجاوز حدود الوجود العسكري المباشر، لأنه يتحول إلى شبكة من الاتفاقيات والعلاقات يصعب فكها بزوال قوة واحدة.

يبقى الخليج، في نهاية هذه القراءة، مثالًا على كيف تصنع الجغرافيا مسار التاريخ بصرف النظر عن هوية القوة التي تمر به، ومدى بقاء تلك الخصائص التي تملكها المنطقة الخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE