13 مارس 2026
عبير الهاجري تكتب: مدينة المستقبل.. "العين" ذاكرة الوطن وواحة المعرفة والحضارة 

ليست كل المدن تُبنى لتُرى، بل لترسيخ الروابط التاريخية بين تاريخ قديم  وتاريخ قريب وحضارة ورؤية المستقبل.. وهذا ما اجتمع في مدينة العين  الإماراتية.

العين مدينة المعرفة الأولى.. صوت الإرث الإنساني.. رسالة الإمارات، هنا حفرت العصور خُطاها في قلب الجبل، ولا تزال حكمة القيادة تتبنى منهجية عالمية واعدة، تنطلق من جذور الأرض لتُعانق المستقبل، إنها مدينة تشكّلت علاقتها بالتراب بوصفه ذاكرة حيّة لا تنفصل عن الإنسان، وقصيدةً خالدة توارثتها الأجيال ملامحاً وشبهاً وانتماءً.

في العين، لم يكن التاريخ مجرد حدثٍ يُستدعى أو صورة ملونة تثير الانبهار، بل كان مسارًا يُعاش في ثنايا الإرادة الوطنية، وعند سفوح الجبال، وفي البيوت التي استلهمت من الصبر سرّ البقاء، ومن هذا العمق، يبرز حضور "دار الزين" لا كمدينة تراثية فحسب، بل كبيئة حيوية لمشاريع الاستدامة العلمية والحضارية التي تُعمّق فهم المكان وتصون قيمته.

مدرسة "زايد" وظلّ "خليفة"
مدينة الزعماء، كما أحبها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لم تكن يوماً مدينة عادية؛ بل مدرسة للكرامة والأصالة، ومختبراً للفكر الواعي الذي رسمت خريطته يدُ البدوي الأصيل، وفي كنف هذه المدرسة، كان "شبل زايد" البار، الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان (طيب الله ثراه)، يقتفي أثر والده، يُصغي ويراقب ويتعلم بوعيٍ سابق لسنواته.

يُذكر في تاريخ المدينة موقفٌ يختصر الرؤية، ففي عام 1968، وبينما كان الشيخ زايد يتفقد إحدى المزارع وبجانبه الشاب خليفة، قال الوالد بحكمة: "يا ولدي.. الأرض مثل الإنسان، تعطيك بقدر ما تحترمها، والعين اليوم تحتاج إلى عيون ترعاها وأرواح تخلص لها". وبصيرة الابن تتجاوز الكلمة، إذ ردّ بهدوء الواثق: "أراها يا أبي عامرة بالعلم والمعرفة، بمراكز الطب والمدارس والمكتبات، جمالاً يجمع الإمارات السبع في قلب مدينة واحدة". 

كان ذلك الحوار بمثابة شهادة ميلاد لرؤية مستقبلية استثنائية، إنه حوار مجازي.

مسيرة التمكين والازدهار
منذ تولى الشيخ خليفة إدارة العين عام 1966، بدأت ملامح النهضة بأسلوب إداري هادئ وفعال، شمل تطوير الزراعة، وتحسين الخدمات، وتأسيس ركائز التعليم والصحة. 

واليوم، تواصل الرؤية مسيرتها نحو "مئوية الإمارات" بعزم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة (حفظه الله)، الذي عزز نموذج التأسيس بروح الوفاء والمسؤولية.

وتحت الرعاية الكريمة من المغفور له بإذن الله، الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، (طيب الله ثراه)، ومن ثم المتابعة الحثيثة  لصاحب السمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، (حفظه الله)، لتشبه العين اليوم "ثورة هادئة" تتلألأ في فضاء المنطقة والعالم. 

لم تعد المدينة مجرد واحة محلية، بل منصة دولية للمناطق الذكية، والمتاحف المفتوحة، والمدن الصحية، مستندة إلى قول الشيخ هزاع بن زايد: "مدينة العين هي واحة التاريخ، لكنها أيضاً معمل الابتكار في المستقبل".

مقترح للمستقبل: "العين.. عقلٌ بحثي مفتوح"
وانطلاقاً من هذا الامتداد الطبيعي بين المكان والمعرفة، تبرز الحاجة اليوم إلى إنشاء (مركز العين البحثي للآثار وعلوم الخليج)، هذا المركز لا يُراد له أن يكون متحفاً إضافياً، بل "عقلاً بحثياً" يهدف إلى:
ــ دراسة تاريخ الإنسان في المنطقة دراسة علمية متكاملة تجمع بين الأنثروبولوجيا وعلم الآثار والبيئة.
ــ تدريب الكوادر الوطنية على البحث الميداني المتقدم.
ــ تحويل المواقع الأثرية إلى منصات معرفية تدعم السياحة الثقافية المستدامة.

لقد قال أحد الدبلوماسيين الإيطاليين عام 1975: "لم أرَ مدينة تجمع البساطة والعمق مثل العين"، وهذا هو جوهرها؛ مدينة لم تُحفظ آثارها للعرض فقط، بل عاشت الأثر كجزء من مسيرتها، إنها المدينة التي تصنع الدولة وتربي الإنسان، ومع اقتراب المئوية، تظل العين النموذج الأمثل الذي يثبت أن التقدم الحقيقي ليس في تشييد الأبنية، بل في بناء الإنسان والفكر والوعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE